المسجد الأقصى

من دائرة المعارف الفلسطينية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

بناؤه

أن المسجد الأقصى هو ثاني مسجد بني في الأرض‎:‎

لما في حديث الصحيحين عن آبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: (قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في ‏الأرض أول قال: المسجد الحرام. قال: قلت ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون ‏سنة. ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصل فان الفضل فيه‎).‎

وحول بناء المسجد الأقصى نجد قولين‎ :‎

القول الأول:

أن آدم (عليه السلام ) هو الذى بني المسجد الحرام ، وهو الذى بنى المسجد الأقصى بعده ‏بأربعين عاما‎ . ‎

القول الثانى

أن الذى بنى المسجد الحرام هو إبراهيم ( عليه وعلي نبينا الصلاة والسلام) ، واستدل من قال ‏ذلك بقوله تعالىوَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{127} رَبَّنَا ‏وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ{128) البقرة

وأن يعقوب ( عليه وعلي نبينا الصلاة والسلام)هو الذى بنى المسجد الأفصى بعد بناء جده للبيت الحرام ‏بأربعين عاما‎ .‎

‎وإذا أردنا ترجيح أحد الرأيين وجدنا أن القول الأول هوالأرجح ؛وذلك لأن إبراهيم ( عليه وعلي نبينا الصلاة ‏والسلام)ذهب إلى مكان البيت ومعه إسماعيل لايزال رضيعا قبل رفع القواعد وهذا ما نستدل عليه من قول الله ‏تعالى (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ‏النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ{37} إبراهيم‎ ‎

ولا يعارض هذا ما روى عن عبدالله ابن عمر – رضى الله عنهما – أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (لما فرغ سليمان ‏بن داود من بناء بيت المقدس سأل الله ثلاثاً: حكماً يصادف حكمه, وملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده, و ألاّ يأتي ‏هذا المسجدَ أحدٌ لا يريد إلاّ الصلاة فيه إلاّ خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما إثنتان فقد ‏أعطيهما, وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة‎. ‎

وفى رواية قال: (لما بنى سليمان بن داود بيت المقدس ،قرب القرابين ،وذبح الذبائح ، فأوحى الله إليه قد ‏أرى سرورك ببنيان بيتى فسلنى أعطك فقال سليمان( عليه وعلي نبينا الصلاة والسلام):- أسألك ثلاث ‏خصال: حكماً يصادف حكمه, وملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده, و ألاّ يأتي هذا المسجدَ أحدٌ لا يريد إلاّ الصلاة ‏فيه إلاّ خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما إثنتان فقد أعطيهما, وأرجو أن يكون قد أعطي ‏الثالثة. رواه الطبرانى والنسائى وابن حبان وأحمد وابن ماجة‎ وذلك لأن سليمان ( عليه وعلي نبينا الصلاة والسلام)لم يكن مؤسسا ولكن كان مجددا‎.‎

من أول من بنى المسجد الأقصى؟

اختلف العلماء من أهل التفسير والحديث والتاريخ في تعيين أول من وضع المسجد الأقصى, وبتتبع أقوالهم ‏واستقرائها, بدا لي أنها لا تخرج عن ثلاثة آراء‎:‎

الأول: إن آدم عليه السلام هو الذي أسس كلا المسجدين, ذكر ذلك العلامة ابن الجوزي, ومال إلى ترجيح ‏هذا الرأي الحافظ ابن حجر في الفتح, واستدلّ له بما ذكره ابن هشام في كتاب "التيجان" أنّ آدم لما بني الكعبة ‏أمره الله بالسير إلى بيت المقدس وأن يبنيه فبناه ونسك فيه. وبناء آدم عليه السلام الكعبة مشهور وفيه عدة ‏آثار‎:‎

‏1- روى ابن أبي حاتم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (لمّا كان زمن الطوفان رفع البيت, وكان ‏الأنبياء يحجونه, ولا يعلمون مكانه حتى بوّأه الله لإبراهيم وأعلمه مكانه).‎

‏2- روى البيهقي في "الدلائل" من طريق أخرى عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً : (بعث الله جبريل إلى آدم فأمر ‏ببناء البيت فبناه آدم, ثم أمره بالطواف وقيل له أنت أول الناس, وهذا أول بيت وضع للناس). ‎ ‏3- روى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء (أن آدم أول من بنى البيت). ‎ وهذا القول أثبت كما قال الحافظ في الفتح وعليه فإنّ الذي أٍسس المسجد الأقصى هو آدم نفسه أو أحد أبنائه ‏لأنّ المدة الفاصلة بين المسجدين أربعون سنة فقط‎.‎ الثاني: أن الخليل إبراهيم عليه السلام هو الذي أٍسس المسجد, لأنّ بناءه للمسجد الحرام مشهور بنص القرآن: ‏‏(وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل) وقوله تعالى : (وإذ بوّأنا لإبراهيم مكان البيت) ، وإذا ثبت ‏بالنص أنه بني الكعبة، فإنّ بناءه لمسجد الأقصى محتمل راجح لقرب العهد بين المسجدين. وممن نصر هذا ‏القول شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: (والمسجد الأقصى, صلت فيه الانبياء من عهد الخليل), وفي موضع ‏آخر قال: (فالمسجد الأقصى كان من عهد إبراهيم عليه السلام), ولكن يرد على هذا القول إشكالان: أحدهما: ‏أنّ بناء إبراهيم عليه السلام للكعبة لم يكن وضعاً وتأسيساً وإنما كان رفعاً وتجديداً, والثاني, أنّه لم ترد آثار في ‏تأسيسه للمسجد الأقصى, سوى ما عند أهل الكتاب: (أنّه لما قدم الشام أوحى الله إليه إني جاعل هذه الأرض ‏لخلفك من بعدك, فابتنى إبراهيم مذبحاً لله شكراً على هذه النعمة, وضرب قبته شرقي بيت المقدس) ولكن هذا ‏الذي بناه مذبح لس بمسجد, ثم ان هذا كان أول قدومه الشام أي قبل مولد إسماعيل وبناء الكعبة بمدة, وإنما ‏بناء مسجد بيت المقدس كان بعد وضع الكعبة كما في حديث أبي ذر في الصحيحين‎.‎

القول الثالث

أن الذي بناه هو يعقوب عليه السلام, ورجّح هذا القول العلامة ابن القيم رحمه الله حيث قال: ‏‏(والذي أسسه هو يعقوب بن اسحق صلى الله عليهما وآلهما وسلم بعد بناء إبراهيم الكعبة بهذا المقدار – أي ‏أربعين سنة-..) وهذا الذي ذكره ابن القيم موجود عند أهل الكتاب كما قال ابن كثير: (ثم مرّ -أي يعقوب- ‏على أورشليم قرية شخيم فنزل في القرية واشترى مزرعة شخيم بن جحور بمائة نعجة فضرب هنالك فسطاطاً، ‏وابتنى ثم مذبحاً فسماه بيت إيل إله إسرائيل وأمر الله بناء المستعلن له فيه وهو بيت المقدس اليوم الذي جدده ‏بعد ذلك سليمان بن داود عليهما السلام) أوجه الآراء الثلاثة, وأدناها إلى الرجحان قول من قال: إنّ الذي ‏أسسه هو آدم عليه السلام أو أحد أبنائه، وأنّ الذي وقع من البناء بعد ذلك إنما هو تجديد لا تأسيس, والآثار ‏المروية تسند هذا القول وتجعله أقرب إلى الصواب والله أعلم, وأمّا حديث أبي ذر: (أي مسجد وضع في ‏الأرض أوّل؟.. ) فليس فيه تعيين الواضع الأول المؤسس، ولا يصلح أن يكون تفسيراً لقوله تعالى : (وإذ يرفع ‏إبراهيم القواعد من البيت), ولذلك فان البخاري رحمه الله أورد الحديث في موضعين من كتاب الأنبياء، الأول ‏في فضائل الخليل إبراهيم عليه السلام، والثاني في فضائل سليمان عليه السلام, فيفهم من صنيعِهِ هذا أنه أراد ‏فضل بناء المسجدين, لا تعيين أول من أسسهما. ولهذا قال القرطبي: (إن الحديث لا يدل على أن إبراهيم ‏وسليمان لما بنيا المسجدين ابتدآ وضعهما لهما.‏

==نظرة فى تاريخه‎==‎ المسجد الأقصى (قيل له الاقصى لبعد المساحة بينه وبين الكعبة وقيل لان لم يكن وراءه موضع عبادة وقيل ‏لبعده عن الأقذار والنجائس, والمقدس لمطهر عن ذلك فتح الباري 408 ) هو الاسم الذي أطلقه القرآن على ‏مُتعبَّد النبيين في أرض فلسطين، (إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله), ذلك المسجد الذي أٍسس على ‏التقوى من أول يوم بُدئ فيه البناء, تولى إمامته الأنبياء, وتنسك بساحته الأولياء, واتخذ منبره الداعون إلى ‏الإسلام عبر الدهور منارة ترشد السائرين, ومعلماً يهدي الحائرين‎.‎

والمسجد الأقصى عند العلماء والمؤرخين أشمل من مجرد البناء الموجود الآن بهذا الاسم, إذ هو اسم لجميع ‏المسجد الذي بناه سليمان عليه السلام, فكل ما هو داخل السور الكبير ذي الأبواب يعتبر مسجداً بالمعنى ‏الشرعي, فيدخل فيه على ذلك مسجد الصخرة ذو القبة الذهبية المنصوبة على المبنى المثمّن, والذي تنصرف ‏اليه الأذهان كلما ذكر اسم المسجد الأقصى: وان كان بعض الناس يسمي الأقصى المصلى الذي بناه عمر ‏بن الخطاب رضي الله عنه في مقدمه، والصلاة في هذا المصلى الذي بناه عمر للمسلمين أفضل من الصلاة ‏في سائر المسجد.. وأمّا "الصخرة" فلم يصل عندها عمر رضي الله عنه ولا الصحابةولا كان على عهد الخلفاء ‏الراشدين عليها قبة, بل كانت مكشوفة في خلافة عمر وعثمان وعلي ومعاوية ويزيد ومروان، ولكن لما تولى ‏ابنه عبد الملك الشام، ووقع بينه وبين ابن الزبير الفتنة، كان الناس يحجون فيجتمعون بابن الزبير، فأراد عبد ‏الملك أن يصرف الناس عن ابن الزبيرفبنى القبة على الصخرة، وكساها في الشتاء والصيف, ليرغب الناس في ‏زيارة بيت المقدس, ويشتغلوا بذلك عن اجتماعهم بابن الزبير وأما أهل العلم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ‏فلم يكونوا يعظمون الصخرة فإنها قبلة منسوخة كما أن يوم السبت كان عيداً في شريعة موسى عليه السلام، ثم ‏نسخ في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بيوم الجمعة فليس للمسلمين أن يخصّوا يوم السبت ويوم الأحد بعبادة كما تفعل اليهود ‏والنصارى, وكذلك الصخرة التي يعظمها اليهود وبعض النصارى‎.‎

‎لقد مر بيت المقدس ومسجده العتيق بعهود تاريخية حافلة بالأحداث نوجزها في السرد التالي‎:‎

أولاً: سكن الكنعانيون ساحل بلاد الشام في الألف الثالث ق.م, وعرفوا في الساحل الشمالي باسم الفينيقيين, ‏بينما عرف القسم الجنوبي بأرض كنعان, فابتنوا أهم المدن فيها: أريحا، وأسدوس، وبيرسبع، وعسقلان، وبيسان، ‏ونابلس "شكيم"، والخليل "أربع"، والقدس "يبوس"، وكان اليبوسيون أهم بطون الكنعانيين فبنوا مدينة القدس, ‏وأطلقوا عليها "أورسالم" أي: مدينة سالم, كما أطلقوا عليها أسم "يبوس"، وكانت لغتهم عربية قديمة, ولكنها ‏تختلف عن لغة القرآن التي نتحدث بها اليوم‎.‎

ولما تعرضت بلاد اليونان وجزر إيجة لغارات البرابرة اليونان، هربت قبيلة "بلست" من جزيرة "كريت" وغزت ‏أرض كنعان، واستقرت في السهل الساحلي الجنوبي الغربي من يافا إلى غزة, وسمي هذا الجزء باسم فلسطين, ‏وبقي الاسم على جزء من أرض كنعان إلى أن شملها كلها في العصور الحديثة‎.‎

ثانيا: تجلت قدسية بيت المقدس وما حوله – تاريخياً- بهجرة الخليل إبراهيم عليه السلام حوالي الألف الثاني ‏ق.م, انتقل إبراهيم عليه السلام من "أور" بالعراق إلى أرض الشام "أرض الكنعانيين" وفي صحبته ابن أخيه ‏لوط, وزوجه سارة بعد أن اعتزل أباه وقومه كما حكى القرآن (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين) (الصافات آية ‏‏9 ) (ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين)( الأنبياء آية 71). قال ابن كثير: وأوحى الله إلى ‏إبراهيم الخليل فأمره أن يمدّ بصره، وينظر شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، وبشره بأن هذه الأرض كلها سأجعلها لك ‏ولخلفك إلى آخر الدهر، وسأكثر ذريتك حتى يصبروا بعدد تراب الأرض, وهذه البشارة اتصلت بهذه الأمة, بل ‏ما كملت ولا كانت أعظم منها في هذه الأمة المحمدية، يؤيد ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله زوى لي الأرض ‏فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها). ‎ فغدا بيت المقدس بلد (إبراهيم) الخليل وموطنه, ومكث بها مدة, ثم خرج منها إلى مصر, إثر قحط دبَّ في ‏الشام, ثم عاد إليها, خوفاً على زوجته من فرعون مصر آنذاك, الذي حاول الظفر بها ولكن الله تعالى أنجاها ‏منه ورد كيد الكافر, فأطلق سراحها وأخدمها (هاجر)، التي ولدت بعد ذلك إسماعيل, فلما غارت (سارة) من ‏‏(هاجر) وولدها, أمر الله تعالى إبراهيم خليله, أن يرتحل بهاجر وإسماعيل إلى أرض مكة المكرمة, وكانت مكة ‏حين ذاك وادياً لا زرع فيه ولا ضرع، فتركهما هناك بأمر ربه، وعاد إلى أرض التيمن وحفظ الله هاجر والغلام, ‏وفجّر لهما في الوادي ماءً عذباً أبرك من غيث الغمام, فانجفل إلى مكة لسكناه الأنام, وفي إحدى زيارات ‏الخليل إلى مكة من بلاد الشام, بني بمعاونة ابنه إسماعيل الكعبة البيت الحرام, أشرف المساجد في أشرف ‏البقاع, ودعا لأهلها باليمن والبركات وأن يرزقوا من كل الثمرات مع قلة المياه, وعدم الأشجار والزروع والثمار, ‏وهنا ذكر بعض العلماء أنه لما عاد إلى مهاجره بيت المقدس بنى المسجد الأقصى.‏

تاريخه مع الإسلام

ونوجز تاريخه مع الإسلام فى النقاط التالية:‏ ‏1- تجلت أهمية بيت ا لمقدس في الإسلام عندما أسري بالرسول صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى, ‏وبذلك وصل ما بين المسجدين العظيمين. فكان ذلك إيذاناً بانتقال الأرض المقدسة والمسجد الأقصى إلى ظل ‏الدين الخاتم والرسالة الأخيرة, وقد كانت صلاته عليه الصلاة والسلام باخوته الأنبياء في تلك الليلة المباركة ‏نحو البقعة المباركة برهاناً ساطعاً على تبعية الشرائع السابقة, وانقيادها طوعاً للإسلام كلمة الله الأخيرة إلى ‏بني الإنسان والجان. وتوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه في صلاتهم شطر بيت المقدس, قبلتهم الأولى قبل ‏المسجد الحرام‎.‎ وقد بدأت غزوات وسرايا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أرض الشام بغزوة دومة الجندل عام 5هـ وسرية مؤته عام 7هـ, وغزوة ‏تبوك آخر غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم عام 9هـ, ثم أخيراً بعث أسامة الذي انقذه ابوبكر رضي الله عنه‎.‎ ‏2- الفتح العمري وبناء مسجد الأقصى‎:‎ بعد المعارك الحاسمة – اجنادين وفحل واليرموك – والتي شهدتها أرض الشام المباركة قدم أبو عبيدة عامر بن ‏الجراح على عمرو رضي الله عنهما وهو محاصر إيلياء (القدس). ثم طلب أهلها الأمان والصلح, على أن ‏يكون الخليفة عمر بن الخطاب هو الذي يتولى بنفسه تسلم بيت المقدس وعقد الصلح, فكتب أبو عبيدة إلى ‏عمر بذلك فقدم عمر فنزل الجابية من دمشق ثم صار إلى إيلياء فأنفذ صلح أهلها, وتسلم بيت المقدس بنفسه ‏من صفرونيوس بطريرك القدس عام 16هـ. وصدرت العهدة العمرية ونص فيها على أن لا يسكن إيلياء أحد ‏من اليهود‎.‎ ودخل عمر رضي الله عنه القدس عن طريق جبل المكبر(سمي بذلك لأن عمر لما أشرف على بيت المقدس ‏من فوقه كبر وكبر المسلمون معه) ثم أتى موضع المسجد الأقصى فصلى فيه تحية المسجد, ويٌروى أنه ‏صلى في محراب داود, وصلى بالمسلمين فيه صلاة الغداة من الغد فقرأ في الأولى بسورة ص وسجد فيها ‏والمسلمون معه وفي الثانية ببني إسرائيل (الإسراء) وجعل المسجد في قبلة بيت المقدس‎.‎

روى الإمام أحمد عن طريق عبيد بن آدم قال: (سمعت عمر بن الخطاب يقول لكعب الأحبار: أين ترى أن ‏أًصلي؟ فقال: إن أخذت عني, صليت خلف الصخرة, وكانت القدس كلها بين يديك, فقال عمر: ضاهيت ‏اليهودية. لا, ولكن أصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فتقدم إلى القبلة فصلى, ثم جاء فبسط رداءه, فكنس ‏الكناسة في ردائه, وكنس الناس).‏ ‎ ‎وبعد انقضاء عهد الخلفاء الأربعة الراشدين تلى عهد الأمويين ثم عهد العباسيين ثم الطولونيين والاخشيديين, ‏وفي كل تلك العهود كان المسجد الأقصى وبيت المقدس مصاناً معظماً في أيدي المسلمين قروناً طويلة, قام ‏الخلفاء خلالها بإصلاحات وتوسيعات عديدة في مسجد الأقصى‎.‎ ‏3- استمر فى عهد المسلمين ثلاثة عشر قرنا من الزمان‎ .‎ ‏4- مسجد الأقصى في قبضة اليهود حكم الأيوبيون القدس بعد خروج الصليبيين، ثم حكمها المماليك ثم العثمانيون, وفي آخر عهد بني عثمان, ‏كانت بفلسطين جالية يهودية صغيرة جداً لا تتجاوز تسعة آلاف وسبعمائة نسمة موزعين بين القدس والجليل ‏وصفد وطبريا وباسم الامتيازات الأجنبية التي فرضت على الدولة العثمانية الضعيفة من قبل الدول الأوربية, أ ‏قامت بريطانيا أول قنصلية غربية في القدس عام 1255هـ / 1839م, وجهت معظم جهودها لحماية الجالية ‏اليهودية , واستقدامهم من الخارج لاسباب ودوافع استعمارية‎.‎ وفي عام 1895م / 1313هـ أصدر اليهودي النمساوي هرتزل كتابه (الدولة اليهودية) قرر فيه (إن المسالة ‏اليهودية ليست مسألة اجتماعية أو دينية, بل هي مسألة قومية لا يمكن حلّها إلاّ عن طريق تحويلها إلى قضية ‏سياسية عالمية يتم تسويتها على يد الدول الكبرى مجتمعة) , وتمكنت الصهيونية في هذه الأثناء من استمالة ‏الأوربيين لأ فكارها: فالمتدين النصراني الأوربي دخلت إلى نفسه فكرة شعب الله المختار وأرض الميعاد وهو ‏يؤمن كنصراني بالعهد القديم, وأما غير المتدين فرغب أن يتخلص من استغلال اليهود وجشعهم عن طريق ‏تأييد الصهيونية في البحث عن أرض يتجمعون فيها, فتستريح أوروبا منهم كما قال وزير خارجية قيصر روسيا ‏وهيرتزل يحدثه ويطلب منه تشجيع الهجرة: (إننا نعطي مثل هذا التشجيع على الهجرة بأن نركلهم بأقدامنا).‏ ‎ ‎قدمت جمعية (أحباء صهيون) طلباً للقنصل العثماني في أوديسا (روسيا) , يطلبون الإقامة في فلسطين فكان ‏رد السلطان عن الحميد: (تحيط الحكومة العثمانية علماً جميع اليهود الراغبين في الهجرة إلى تركيا بأنه لا ‏يسمح لهم بالاستقرار في فلسطين) ,فتوالت الضغوط الديبلوماسية عليه حتى تدخل السفير الأمريكي فقال ‏السلطان: (إنني لن أسمح لليهود بالاستقرار في فلسطين ما دامت الإمبراطورية العثمانية قائمة) ,وقابل هيرتزل ‏السلطان عبد الحميد سنة 1896م أي بعد إصداره كتاب (الدولة اليهودية) بسنة, فطلب السماح بإقامة مستعمرة ‏واحدة في القدس, فقال السلطان: (إن الإمبراطورية العثمانية ملك العثمانيين الذين لا يمكن أن يوافقوا على هذا ‏الأمر فاحفظوا أموالكم في جيوبكم) ,نجح هيرتزل بعد هذه المقابلة الفاشلة بسنة بعقد المؤتمر الصهيوني الأول ‏سنة 1897م، وضم 204 مندوباً يمثلون جمعيات صهيونية متناثرة في أرجاء مختلفة من العالم, وحدد المؤتمر ‏أهداف الصهيونية بما يلي: (إن غاية الصهيونية هي خلق وطن للشعب اليهودي في فلسطين يضمنه القانون ‏العام) مما دفع السلطان عبد الحميد أن يصدر قراره المشهور الذي بلّغ به جميع ممثلي دول العالم في استنبول ‏سنة 1900م بمنع الحجاج اليهود من الإقامة في فلسطين أكثر من ثلاثة شهور وعليهم تسليم جوازات سفرهم ‏عند دخولهم أرض فلسطين.. وكل من لا يغادر البلاد خلال هذه المدة سيطرد بالقوة) ثم اصدر قراراً ثانياً سنة ‏‏1901م يحرِم فيه اليهود شراء أي قطعة أرض في فلسطين ولكن اليهود لم ييأسوا إذ شكل هيرتزل وفداً مع ‏‏(قرصو) سنة 1902م وتوجه إلى السلطات بعروض مغرية , وطلب مقابلة السلطان فرفض السلطان عبد ‏الحميد المقابلة, فدفعوا العروض إلى رئيس وزرائه (تحسين باشا), ما هي هذه العروض ؟‎:‎

‏1- مائة وخمسون مليون ليرة إنجليزية لجيب السلطان الخاص‎.‎ ‏2- وفاء جميع ديون الدولة العثمانية البالغة 23 مليون ليرة إنجليزية ذهبية‎.‎ ‏3- بناء أسطول لحماية الإمبراطورية بتكاليف قدرها مائة وعشرون مليون فرنك ذهبي‎.‎ ‏4- ‏‎ ‎تقديم قرض بـ(35) مليون ليرة ذهبية دون فوائد لإنعاش مالية الدولة‎.‎ ‏5- بناء جامعة عثمانية في القدس‎.‎

فكان جواب السلطان عبد الحميد كما جاء في مذكرات هرتزل: (انصحوا الدكتور هرتزل بألاّ يتخذ خطوات ‏جدية في هذا الموضوع إنني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من الأرض فهي ليس ملك يميني بل ملك ‏شعبي.. فليحتفظ اليهود بملايينهم عندهم، و إذا مزقت إمبراطوريتي يوماً فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا ‏فلسطين بلا ثمن)، فأرسل إليه (قرصو) برقية يقول فيها: (ستدفع ثمن هذه المقابلة من عرشك ونفسك) وقابل ‏هيرتزل المستشار القانوني للحكومة المصرية بهدف الاعداد للتعاقد على استعمار سيناء والعريش لمدة ‏‏99سنة, ولكن المشروع فشل بجهود الدولة العثمانية فكان لا بدّ من إزالة هذه الدولة التي أصبحت حجر عثرة ‏في طريق استيطان اليهود في فلسطين, فاتبعوا الأساليب التالية‎:‎

‏1- تشويه سمعة السلطان عبد الحميد واتهامه بالرجعية والاستبداد حتى أصبح ممقوتاً عند شعبه لما تملكه ‏الصهيونية من شبكات وسائل الإعلام‎.‎ ‏2- محاولة إثارة النعرات القومية, داخل الدولة العثمانية عن طريق الجمعيات الماسونية التي انضوى إليها ‏بعض الشباب العرب والأتراك في باريس وبقيّة أوروبا, فظهرت فكرة القومية التركية (الطورانية) وفكرة القومية ‏العربية‎.‎ ‏3- حاولوا نسف المنصة التي يجلس عليها السلطان في صلاة الجمعة بسيارة متفجرات, فأنجاه الله‎.‎ ‏4- اتصلوا بالضباط وكبار الموظفين من خلال المحافل الماسونية فطالبوا بإعلان الدستور والذي فيه (مساواة ‏اليهود والنصارى مع المسلمين) واجبروه على الإعلان في 23 تموز سنة 1908م‎.‎ وخلال تسعة اشهر في 27ابرايل 1909م أقصى السلطان عبد الحميد الثاني من الحكم على يد( جمعية تركيا ‏الفتاة) و(جمعية الاتحاد والترقي) الماسونيتين وبدأ التمهيد بعد ذلك لهجرة اليهود إلى فلسطين‎.‎

ثم وقف زعماء العرب آنذاك وعلى رأسهم الشريف حسين ملك الحجاز بجانب بريطانيا في الحرب العالمية ‏الأولى, وأغمدوا أنصالهم في قلب تركيا مقابل وعود بريطانيا بإعطاء الشريف حسين ملك العرب‎.‎ يقول لورنس – ملك الصحراء العربية, وضابط المخابرات البريطانية, الذي أغرى بالثورة العربية وقادها ضد ‏تركياً- في مذكراته: (إنني جدُّ فخور أنني في المعارك الثلاثين التي خضتها لم يرق الدم الإنجليزي لأن دم ‏إنجليزي واحد أحب إليّ من جميع الشعوب التي نحكمها , ولم تكلفنا الثورة العربية سوى عشرة ملايين دينار‎).‎ واتفق اللنبي القائد الإنجليزي مع مصطفى كمال اتاتورك سراً قائد الجيش الثاني في فلسطين أن يسمح لخيالة ‏اللنبي أن يضربوا مؤخرة الجيوش التركية الأربعة مقابل تسليم تركيا فيما بعد لأتاتورك وفعلاً انسحب أتاتورك ‏ووقع مائة ألف من الجيوش التركية في أسر الإنجليز، ودخل اللنبي القدس في 9/11/1917م واطلق كلمته ‏مدوية تعبيراً عن الحقد الصليبي العميق (الآن انتهت الحروب الصليبية). وهكذا تم تمهيد الطريق للاحتلال ‏اليهودي للقدس‎.‎