حكاية منصور بن ناصر

من دائرة المعارف الفلسطينية
نسخة ١٣:٣٣، ٧ أكتوبر ٢٠١٨ للمستخدم Basheer (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث

لقد تناول القصص العربي - فيما تناول -عاطفة الحب ، والطابع ‏النفسي لهذا اللون من القصص ، ما برح خاضعاً لمؤثرات في حياة الشرق ، ‏وأوضاع في مجتمعه الخاص هنالك مأساة الفتاة التي يزفها اهلها الى غير من ‏تحب كرها لفقدان حقها في اختيار الزوج ، كما جرت العادات والتقاليد .‏

ويتصل بذلك إيثار ولاة أمر الزوجة لابن العم ، أو نحوه من ذوي ‏القربى … أو الغني الذي علت به الألسن أو غيره من صنوف الناس ، على ‏غير رضا من الزوجة ولا قبول .‏ وهنالك ضروب من المآسي العاطفية يبدو فيها الحب فوّاراً ، يعبر عن ‏ما في حياة الشرق من كبت وحرمان ، أساسه الحياء الغالب ، وما يسدله ‏المجتمع الشرقي على العلاقات بين الرجال والنساء ، فهو يحد من اشتراك ‏المرأة في الحياة الاجتماعية الا بقدر ، وهو يجعل من حواء شخصية ناعمة ، ‏رقيقة - لم تخلق إلا للحب والهيام .‏ مصداقاً لقول الشاعر العربي :‏

كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول ‏


فهذا الطابع من الكبت والحرمان في مجتمعنا الشرقي ، أصار غريزة ‏الحب في أدبنا القصصي لوناً من المناجاة ، والشكوى والعذاب وأجرى فيها ‏منبعاً للمأسي والفاجعات .‏ واحتبس المرأة في مخبأ عطر وهّاج، تتلهب حوله الأعناق ، ‏وتحترقالأنفاس ، وتذوب القلوب ، فكأنما ما برحت (شهرزاد) بطلة (ألف ليلة ‏وليلة ) ، تتجدد على مسرح الزمن ، في مجتمع الشرق يوماً بعد يوم ، وساعة ‏بعد ساعة ! (1) .‏

يرد الدكتور "محمد غنيمي هلال " ، ظاهرة هذا الحب الشرقي المثالي ‏عند العرب الى عاملين اساسيين: (2) ‏

أ- الفروسية التي تمتع بها العرب ، والتي كانت منبعاً للفضائل ‏مثل الكرم ، والشجاعة، وحماية الجار، والصدق ، والنخوة ، والعفة ، ‏والوفاء ، والتضحية ، وهذه دعائم الحب النبيل ، حب يكتنفه الحرمان ‏، ويطيب للمحب فيها العذاب ‏.

ب- انتشار الإسلام في المجتمع العربي : هذا الدين الذي هذّب ‏العاطفة ، وضرب حولها جداراً من العفة ، وصون العرض ، والشرف . ‏

ولعل حياة العربي في بيئته ، وتفاعله الثقافي ، والاجتماعي ، ‏والاقتصادي في هذه البيئة ، قد حدد نوع الحب الذي يلائم هذه البيئة ‏‏… فالمجتمع الذي عاشه العرب ، وأثروا ، وتأثروا به ، مجتمع رعوي ‏زراعي بدائي ، يعتمد على عوامل البيئة في الانتاج ، ويبتعد كل البعد ‏عن التكنولوجيا ، والتقنية ، ان هذا المجتمع كفيل بتقوية المعنويات ‏والروحانيات في حياة العربي ، ويجعلة أكثر اهتماماً بالقيم ، والمعايير ‏الاجتماعية ، وبالفضائل ، والحياة العاطفية .‏

من هنا فقد كان العرب فرساناً ايضاً ، في تجاربهم العاطفية ، ‏وأبطالاً لحكايات الحب ، على مستوى الأدبين الرسمي والشعبي على ‏حد سواء . فقيس وليلى هما أشهر رموز هذا الحب العفيف في صدر ‏الإسلام . ومن قبلهم "ليلى والبّراق"، ثم عنتر وعبله قبل الإسلام . أما ‏بعد هؤلاء فقد ظهر " عمر بن أبي ربيعة " - ملك الغزل -بلا منازع(3) ‏‏. وقد حوت الكتب الأدبية العربية الكثير من هذه الحكايات ، ولعل ‏أول هذه الكتب : " التيجان في ملوك حمير " وهو مكون من عدة ‏حكايات حب ، أولها وأهمها : حكاية " مضاض الجرهمي ، ومي " ‏وكتاب " الزهرة " لأبي بكر محمد بن داود الأصفهاني . وقد حاكاه ابن ‏حزم الاندلسي في كتابه " طوق الحمامة".‏

ان حكاية " منصور بن ناصر " واحدة من قوافل هذه ‏الحكايات العاطفية العربية … التي تزخر بالعاطفة والفروسية،وما ‏نجم عنها من قيم وفضائل توجت بالتفاني ، والتضحية ، والفناء في ‏سبيل إبقاء فكرة الحب مشتعله ، وقصصه باقية تنتقل من جيل لآخر، ‏يتوارثها الآباء عن الأجداد ، وينقلونها للأبناء . وسنتناول في هذا ‏الفصل تحليل هذه الحكاية الشعبية بكل ابعادها ، وعناصرها ، وما ‏تمثله في زاوية الحب العاطفي العربي .‏

==عناصر حكاية منصور بن ناصر== (4) ‏

ا‏لبيئة

قصة الحب هذه يمكن أن تحدث في اي بيئة عربية بدون تحديد ، ‏ولكن الرواه (5) يصرون أن مسرح هذه الحكاية هو قرية العطّاره (بالفتح مع ‏تشديد الطاء ) بمعنى إكليل ، وكانت تعرف في العهد الروماني باسم ‏‏(أتاروس) ، تقع في الجنوب من جنين بانحراف نحو الغرب، وتبعد عنها ‏عشرين كيلومتراً ، وترتفع (325 متراً) عن سطح البحر ، بلغ عدد سكانها سنة ‏‏1961 حوالي 400 عربي ، يشربون من مياه الأمطار(6) ، ويبلغ عدد سكانها ‏حالياً حوالي 1000 نسمة ، يعملون في الزراعة ، وفي قطاع الوظائف .‏ وإصرار هؤلاء الرواة على تحديد "العطاره " مسرحاً للحكاية، نابع من ‏عدة دلائل ، وقرائن واسباب نوردها على النحو التالي :-‏

أ- توارث الآباء عن الأجداد هذه الحكاية ، وتبني السارد في كل هذه ‏الأجيال قرية العطّارة ، بيئة لهذه الحكاية . ‏

ب- هناك قرينتان مكانيتان في القرية تشيران الى مكان سكن منصور ‏، ونجم بطلي الحكاية وهما :-‏

‏- قصر منصور : بيت قديم من الطين والحجر على شكل ‏‏(عقّاد ) وهو نمط معماري ساد فلسطين في القرن الماضي ، وتميز هذا ‏العقد عن أمثاله ، بوحدة (تصريف مائي)، أقيمت كقنوات طينية داخل ‏القصر ، مما ميز صاحب القصر ، وتلاءم مع نمط معيشته ، ‏فمنصور كان يمثل الشخصية الأرستقراطية مقارنة مع مواطنيه(7).‏

‏-بير "بحر"  : بير روماني كبير لجمع مياه الامطار ، تابع للقصر ، ‏يبلغ عمقه 15 متراً وقطره 14 متراً . وهذا البير الضخم كناية عن امتلاك ‏منصور لوسائل الانتاج الزراعي، حيث امتلك الرجل مالاً ، وحلالاً ، جعله ‏يتسنم الجاه والوجاهة في القرية(8): ويقول الموروث الشعبي في القرية أن هذا ‏البئر قد شكل درع الأمن المائي للقرية في أيام الطوشات الإقطاعية التي كانت ‏تحدث أيام الدولة العثمانية ، حيث كان الإقطاعي يرسل جواسيسه، ليروا ‏مستوى الماء في البئر ، وبناءً على هذا المستوى ، يفكر رجال الإقطاع ‏بتطويق البلده أو تأجيل الطوق فإن كان البئر مليئاً بالماء ، احجم الإقطاعي ‏عن الغزو ، وإلاّ هجم ، وخرب، واخذ اسرى.‏

‏3- تبني أهل البلدة للشعر في حكاية منصور ، واستخدام هذا الشعر ‏في الأعراس والأفراح ، يغنون هذا الزجل ، والحدادي ، وهم على قناعه بأنهم ‏يغنون لإبن بلدهم ، ولقريتهم . ‏

‏4- شيوع المثل الشعبي في المنطقة : " الزين زين العطّارة " وهذا ورد ‏في شعر منصور ، وتتناقله الشفاه ، من خلال الزجليه ، أو على شكل مثل ‏نثري … ومما يدلل على مدى انتشار المثل ، حكى لي السارد (9) : "مر رجل ‏غريب في القرية ، شاف نسوان قاعدات على عتبه دار ، ولا وحدي عليها ‏العيـن ، فقللهن : ولـَوْ بقولـوا الزين زين العطـــّارة ، ‏

قصر منصور : هدم سنة 1980 وبني مكانه بيت جديد . قللهن: قال لهن

شاف : رأى

والله ماني شايف الزين ، في وحده فيكن ، فردت عليه : " عليه الشريف " : يا ‏خوي : إحنا الخَدّامات ، والزين اللي بقولوا عليه مظبوب في الدور ومسكر ‏عليه .. وانطلاق المثل ، وانتشاره جاء من وحي الحكاية ، وتحديداً من جمال ‏نجم، من باب تغليب الجزء على الكل ، أو كأن جمال نجم عطر فوّاح ، انتشر ‏في المكان وعلى كل السكان ، في إطار من الحب العاطفي الملحمي.‏ ‏5- يطلق اسم " ناصر " على إحدى العائلات في البلدة ، وتشكل هذه ‏العائلة ما نسبته 25% من سكان القرية ، بينما تشكل عائلات : حنتولي ، ‏ورابعه ، ونمر ، وابو دياك ، وخنفر ، وأبو علبه ، النسبة الباقية ، ولعل ‏منصور هو أحد افراد هذه العائلة ، وهذا ما يستدل عليه من التسمية …‏

‏6- يقول الموروث الشعبي في القرية(10): في سنة من السنين كانت ‏البلده مدينة ضريبياً ، لأحد الإقطاعيين ، ولم يكن باستطاعة البلده تسديد ما ‏عليها من دين ، ولما كان الإقطاعي قد سمع عن جمال نجم ، اشترط على ‏الناس في القرية ، أن يروه نجماً ويعفيهم من مديونيتهم ، وهكذا كان . رأى ‏الإقطاعي نجماً ، وقد مرت من أمامه ، وأعفى البلده من دينها .‏

وسواء أصحت هذه الدلائل ، وحددت بيئة الحكاية في قرية العطّاره ، ‏أم لم تصح ، فإننا نستطيع تخيل بيئة الحكاية ، من وحيها ، وهي بالقطع بيئة ‏زراعية بسيطة ، اعتمدت على الرعي بدليل أن البطل كان ‏ ماني شايف الزين : اي لا أرى جمالاً ‏

لا وحدي عليها العين : كناية عن بشاعتهن عليه الشريف : مواطنة ‏من القرية توفيت سنة 1979 ‏ مظبوب : مخزون

راعياً لحلال القرية ، وهذه البيئة كانت قليلة السكان ، حيث استطاع أربعون ‏فارساً - كما تقول الحكاية _ تنفيذ ما أرادوا في غزو البلده ، وخطف نجم ، ‏دون ان يحرك السكان ساكناً ، ودون أدنى مقاومة منهم .‏

البطل

أول ما يلفت الإنتباه ، هو الإيحاء المنبعث من إسمي بطلي الحكاية ‏‏. الا يوحي اسم البطل منصور بن ناصر ، بالفوز والنصر ، ومهما خاض ‏هذا البطل من صراعات ؟! كذلك الأمْر في اسم البطلة نجم : يوحي بالجمال ‏المتلآليء ، والعلو ، والسمو ، والتميز ، فعنوان الحكاية ينبي بموضوعها ولا ‏يعطي مجالاً للشك في ان هذا العنوان هو مقدمة قصة حب عاطفية .‏ أمر ثانٍ يثير مزيداً من الانتباه ، وهو خروج بداية الحكاية عن المنحى ‏التقليدي للحكايات الشعبية، -خصوصاً الريفي منها - حيث لم نجد بطلاً ‏فقيراً، أو مظلوماً(11) ، وانما وجدنا منصوراً ، صاحب عز وجاه ، يملك مالاً، ‏وحلالاً ، وجدنا أميراً غير متوج . يتمتع بمستوى اجتماعي رفيع ، ومستوى ‏اقتصادي ارفع ، يدعم هذين المستويين ، فروسيته ، وشهامته ، وكرمه ، ‏فالبطل يتطوع أن يرعى "عجّال* " القرية مجاناً ، وهذه شهادة تؤهله أن يكون ‏الأقوى في مجتمعه ، حيث حماية العجّال زمن " الحرمنه " واللصوصية ‏تستدعي فارساً قوياً مثل منصور ، كريماً خيّراً يعمل بلا مقابل، في زمنٍ " عز ‏فيه القرش " ، يفتح ديوانه،ومضافته للناس وللشعاّر يسهرون ، ويسمرون ، ويغنون فيها ، تحت عباءة ‏البطل . ولعل كل هذه المؤهلات هي التي دفعت الناس لمحبة البطل ، ‏والتعاطف معه في كل محنة - كما نلحظ من مجمل الحكاية - فالبطل ليس ‏فقيراً -أو عادياً - كما هي غالب الحكايات الشعبية - يصارع من أجل ‏الوصول، بل تبدأ الحكاية ببطل مميز ومع تميز هذا البطل ، الإّ أن الحكاية ‏لا تحكي قصة اصله ، وفصله ، وإنما أجملت ذلك، ببطل غني ، نشأ يتيماً ‏في كنف أمَّ ارملة . وشب فارساً ، ومن خلال الحكاية نستقرئ صفات أخرى ‏لمنصور ، كالذكاء، والدهاء والمهارة في التجارة . ‏

ويتقاسم بطولة الحكاية مع منصور مناصفة البطلة " نجم" ونجم في ‏الحكاية تظهر ايضاً بشكل غير تقليدي ، فهي ليست " سندريلا " جميلة مدلله ‏، تنتظر " الخطاب" ، ويجبرها أهلها على الزواج حسب أهوائهم : بل "نجم " ‏في الحكاية ، بطلة جميلة ، تحب ، وتكره ، وتستطيع تحديد مستقبلها مع من ‏تحب ، وتناضل بطريقتها لكي تصل للحبيب ، ولا تنتظر الأقدار تلعب بها ، ‏انها تختلف مثلاً عن بطلات حب كثيرات ، مثل " ليلى قيس " ، التي أبعدها ‏أهلها عن الحبيب ، وزوجوها على أهوائهم - خوف الفضيحة - ، ولم تملك ‏‏"ليلى" غير دموعها ، وتوسلاتها الصامته ، سلاحاً للقرب من الحبيب ، وهذه ‏الطريقة السلبية لم تجد نفعاً أما القيم والمعايير العربية ، ومفاهيم القبيلة أو ‏العشيرة . ‏

تشير الحكاية الى فاعلية نجم ، في عرضها عاطفتها على منصور ، ‏في أول لقاء ، وتلك الحيلة التي ابتدعتها نجم للوصول الى قلب منصور ، ‏من أول لقاء (حيلة حمل الغداء له)-(12) ، كذلك تفاعلها بإيجابية مع حيلة ‏منصور (الشيخ ) ، ومساعدته على خطفها ، ونرى كيف خرجت من ورطتها ‏مع الإقطاعي بشكل يصون عفتها ، وشرفها ، وتزداد هذه الفاعلية باشتراكها ‏بالسيف في معركة مرج ابن عامر ، بين منصور والفرسان ، من هنا فنحن ‏أمام بطلين ، واقعيين ، غير تقليديين ، يستطيعان أن يسطرا لا حكاية حب ‏مسطحة فحسب ، بل رواية حب ، أو ملحمة عاطفية تدور دوران الأجيال ، ‏والسنين ، والأيام.

وكما أن الحكاية لم تهتم ، بمولد ، ونشأة البطلين ، وإنما انصب ‏اهتمامها على فترة البلوغ والعبور الى النضج والزواج ، كذلك فإنها لم تهتم ‏بالأبطال الآخرين ، واعتبرتهم هامشيين ، وظفوا فقط كديكور للحكاية ، أو ‏لوصل بعض الأحداث ببعضها، وتسير القصة على امتداد زمانها ، لبلوغ ‏غايتها ، فأم منصور مثلاً : تطل علينا في حزنها على ولدها العاشق ، حين ‏رحل عنه المحبوب ، ونراها في إطلاله ثانية تكرم ضيوف منصور (الشعار). ‏

وثالثة كجزء هامشي مكمل في قضية (نجم وحاكم كفر راعي ) ، ولا ‏يعود لها فاعية او ذكر بعد ذلك ، بل تغيب أو تغيب ، فلم نراها تتفاعل ‏التفاعل المناسب ، أثناء خطف نجم من بيت زوجها ، ولم نراها مثلاً تسأل عن ‏نتيجة معركة خاضها ولدها مع اربعين فارساً ، فلم تسافر مثلاً ، ولم تعمل اي ‏حيلة لتعرف ، هل ما زال ابنها حياً أم لا .‏

كذلك الأمر بالنسبة للأبطال الآخرين ، فسكان قرية ، لا نرى فاعليتهم ‏إلاّ في تهجير أهل القرية . وبعد ذلك يغيبوا ، أو يقفوا سلبيين . ولا يختلف ‏الوضع بالنسبة ، لأهل نجم ، او الفرسان الأربعين ، أو البراك، أو حتى ‏الحاكم الإقطاعي ، فكل بطل من هؤلاء ، يرسم له أن يري وجهه وفاعلية ‏محدودة ، وبعدها ينتهي دوره ، وتكمل الحكاية مسيرتها .‏

يعلل د. شريف كناعنه (13) ظاهرة ظهور الأبطال واختفائهم في ‏الحكاية الشعبية بقوله: " في الأساطير الشعبية ، كما في معظم الحكايات ‏الشعبية ، هناك دائماً ميل لوضع شخصيتين فقط على المسرح ، في وقت ‏واحد . وفي أحيان كثيرة ، لا يكون في الحكاية كلها أكثر من شخصيتين ، ‏والسبب هو أن الحكاية الشعبية تنقل عادة ، أو تصور صراعاً ، أو نزاعاً بين ‏طرفين ، أو قوتين ، يمثل كل منهما شخص في وقت واحد " وتكون ‏الشخصيات الأخرى في هذا الوضع هامشية ، أو ثانوية . ويكون حل النزاع - ‏عادة - لصالح الطرف الذي خلق الحكاية ، أو ينتمي للوسط الذي أوجدها ، ‏وفي هذا الحال يكون الحل أشبه بتحقيق أمنية .‏


إن هذا التعليل يتلاءم مع حكايتنا، فالهدف منها الوصول لغاية " ‏لحمة قلبين " والقوة الأخرى التي تجابه هذه الغاية هي : مفاهيم العرب ، ‏واستجابة هذه المفاهيم لمواقف العاطفة ، وقصص العشاق ، تحت راية القاعدة ‏التي كانت تقول : " أن العاشقة يجب أن تتزوج إنساناً آخر ، غير عاشقها " ‏تحت ذريعة الخوف من الفضيحة ، وصون الشرف ، والعفة ، لهذا كان وضع ‏الحكاية ملائماً لظهور بطلين اثنين رئيسيين ، بينما يطل الأبطال الآخرين ‏لحدث هامشي ما وينتهون او يغيبون .‏

الزمان

يتمثل عنصر الزمان في الحكاية في مفهومين :-‏

الأول : زمن حدوث الحكاية . في اي عصر سياسي ، أو تاريخي .‏

الثاني : كم من الزمن استغرقت هذه الحكاية ، أي الفترة الزمنية التي ‏استغرقتها - كما يقول المثل الشعبي - " من طقطق للسلام عليكم " ، وهذا ما ‏نعالجه في عنصر الأحداث ، لأنها القرينة الدالة على الزمن لمحاولة تحديد ‏المفهوم الأول ، أي عصر حدوث الحكاية ، نحتكم لمعيارين اثنين : ‏

المعيار الأول :‏

تحديد راوي ، أو سارد الحكاية(14)، حيث اشار صراحة أن الحكاية ‏دارت أواخر العهد العثماني ، حيث سادت عمليات السرقة ، واللصوصية ‏وكانت " الحرمنة " في تلك الفترة تعتبر نوعاً من الفروسية ، والمراجل . واذا ‏أردنا ان نغامر أكثر ونحدد عبارة " أواخر العهد العثماني " فاننا نعتبر أن آخر ‏قرنين من زمان الإمبراطورية العثمانية حيث ساد الإقطاع ، والفقر ، والجهل ‏،والقيم الاجتماعية السلبية ومنها مرجلة السرقة ، وظهور التعصب للعائلة ‏ونفوذ الإقطاعي ، - هما زمن حدوث الحكاية وتداولها بين الناس ، وانتشارها ‏‏. وبهذا يحتمل أن تكون احداث الحكاية قد دارت في أي وقت بين 1700-‏‏1900 .‏

أما المعيار الثاني :‏

فهو الاحتكام لنظرية الجزيء (‏Motif‏ ) (15) :-‏

وتتلخص هذه النظرية في أن الموروث الشعبي صيغ بواسطة أجيال ‏عديدة متلاحقه كتعبير عن تفاعل الإنسان مع الطبيعة ، من جهة ، ومن ‏تعامل الإنسان مع اخية الإنسان ،من جهة أخرى .‏ ‏* من طقطق للسلام عليكم : أي من البداية للنهاية ‏وما الحكاية - كفرع من هذا الموروث - إلاّ بناء مكون من جزيئات ‏‏(‏Motifs‏ ) ولكل جيل من الأجيال ، جزيئاته المميزه له ، وتفاعل هذه ‏الجزيئات ، والتي تمثل مراحل حضارية مختلفة ، وتشكيل علاقة بينها هو ما ‏يسمى بالنمط . فلا عجب إذن أن نسمع في قصة واحدة : صورة للغول ، ‏وصورة للعبادة والتدين ، (صوم ، صلاة ) مثلاً ، وصورة المدرسة والمعلم . ‏وكل صورة من هذه الصور تنتمي لعصر حضاري معين ، يمكننا من تخمين ‏الزمان التي سادت فيه هذه الصور . فالحكاية تبعاً لهذه النظرية عبارة عن ‏منظومة من الاحداث ، صاغها أو قام بأحداثها بطل فرد واحد في زمان ومكان ‏معينين ، ولكن الجماهير شاركت فيما بعد بصياغة الحكاية ، من خلال قبولها ‏للحكاية ، وتعديل صورتها ، وتهذيب صياغتها لتناسب الذوق الشعبي ، قبل ‏ان تتداولها الجماعة ،واثناء تداولها .‏

وقد تبدو هذه النظرية عاملاً من عوامل التشتيت في تحديد زمان ‏الحكاية ، ولكنها أكثر ملاءمة لمفهوم الحكاية ، وتكونها، وانتشارها ، ‏وسيرورتها . بالاضافة لذلك فإنها تتلاءم مع المنهج الاجتماعي في تحليل ‏الحكاية ، ذلك المنهج الذي يعتبر الحكاية مرآة للمجتمع الذي انتجها ، ويهدف ‏بالتالي للكشف عن صورة المجتمع صاحب الحكاية ، والوقوف على العوامل ‏التي اثرت في تشكيل حياته(16) .‏ ويظهر التحليل بهذا المنهج ، مفاهيم المجتمع، وقيمه ، وعاداته وتقاليده ‏، ومثله ومعاييره ، وعند استعراض جزيئات الحكاية ، ومحاولة تطبيق هذا ‏المنهج عليها تتضح لنا الملامح التالية : ‏

‏- سرقه العجّال : كما اسلفنا ، فإن السرقه انتشرت في فترة انحطاط ‏الدولة العثمانية ، وتغيرت قيمة السرقه الرذيلة ، الى قيم من الرجولة ، ‏والفروسية ، وذلك في ظل الفقر ، والقحط ، وفرض الضرائب ، والأتاوات ‏على المزارعين ، وتحت نفوذ خيمة العائلية والاقطاع.

‏-الشعّار (القصّاد) ، أو المداحون : ملمح من بقايا ملامح البداوة ، ‏وظف في بيئة زراعية مستقرة ، واستخدمت " الربابة " كآلة موسيقية وترية ‏شعبية لتساند الغناء الشعري ،ولعل ظاهرة (الحدّا ) ، أو الزجال ، وما يقوم ‏به في الأعراس ، هو صورة أو امتداد لتلك الظاهرة والتي درست معالمها ‏نتيجة لتطور حياة الناس وثقافتهم .‏

‏- المطحنة المائية : (بابور الطحين ) : آلات بدائية بسيطة ، تدار ‏بواسطة الحيوان ، وبقوة الماء ، حيث يدور حجر كبير يؤدي دورانه الى ‏طحن الحبوب المتواجدة تحته .. ظلت هذه الطريقة في طحن الحبوب ‏مستمرة الى منتصف القرن الحالي تقريباً ، وهناك شواهد ما زالت ماثلة ‏للعيان في منطقة الفارعة ، والباذان ، على هذه الأنواع من المطاحن ، ‏فهناك بقايا المطحنة الميثلونية ، والياصيدية ، والطلوّزية وكثيراً ما وردت ‏المطحنة(17) كمسرح لجزء من أحداث الحكاية الشعبية . والسبب في ذلك -‏في رأيي- لأنها كانت تمثل وسيلة إنتاج ضخمة، مقارنه مع وسائل الإنتاج ‏البدائية في القرون التي سبقت القرن العشرين ، ونتيجة لإرتباط رغيف الخبز ‏، بالأمن الغذائي في تلك الحقب التاريخية ، وخصوصاً في ظل عهد ‏العثمانيين، حيث فقد هذا الخبز والتقط الناس الحبوب من روث البهائم ايام " ‏سفربرلك " وحروب الدولة العثمانية . ‏

‏-الحياة الدينية : تشي هذه الحكاية ، بملامح حياة إسلامية ، تظهر ‏بطلب منصور يد نجم من أهلها على سنة الله ورسوله ، وتظهر ايضاً في ‏تقمص منصور شخصية "خطيب" أو إمام ، يؤذن للصلاة في غير وقتها .. ‏نستطيع بسهولة تبرير هذا (الموتيف) في حكاية منصور ، وذلك نظراً لشيوع ‏الدين الإسلامي في شرقنا العربي ، ولكن العنصر الذي لا نستطيع تبريره ‏بسهولة في الحكاية ، هو مسالة الخطف ، وتناقض * خطف الرجل لزوجته ‏رغماً عن اهلها - مع مفاهيم وقيم الإسلام .ونجد كذلك أن أهل العطّارة ، ‏‏(المجتمع الذي عاش فيه منصور)، لم يستنكر قضية الاختطاف هذه ، ولم ‏يشجبها ، بل كان متعاطفاً مع البطل، فهل تلاءمت مسألة الخطف أيضاً مع ‏المفاهيم والعادات والقيم العربية ؟… ‏

لالقاء مزيد من الضوء على مسألة الخطف هذه نضعها في مجال ‏احتمالين :-‏ الأول :‏ ان هذا الجزيء (الخطف) هو من مخلفات المعتقدات الأسطورية ‏الأولى ، فكما تقول الدكتورة نبيلة ابراهيم " لم تكن الأسطورة - في الحقيقة - ‏سوى وسيلة للتعبير عن صراع الإنسان مع نفسه ، ومع عالمه الخارجي في ‏الوقت نفسه ، فلما مر الإنسان بعد ذلك بمرحلة حضارية تالية للمرحلة ‏الأسطورية ، وانشغل بعالمه الأرضي الى حد كبير ، ظل الإنسان يعبر عن ‏تجاربه الداخلية في شكل يتفق مع مزاجه الحضاري الجديد(18) إن عالم الغول ‏، والجن ، في الحكاية الشعبية زاخر باحداث الخطف، وإذا رجعنا إلى عالم ‏الأساطير الأول حيث الماء ، والنار، والهواء، والتراب ، كانت أبطالاً فإننا نجد ‏أيضاً أن عملية الاختطاف كانت تتم ببساطة - تمشياً مع سرد حكاية ، أو ‏ربطاً لأحداثها ، أو حلاً لعقدة ما في الأسطورة… ‏ وحسب هذا التحليل نجد مسألة (الخطف) في حكاية منصور ، قد ‏حدثت بمنأى عن القيم الإسلامية ، أو العادات العربية ، وحدثت بشكل ‏طبيعي غير مستهجن ، لأنها وليدة حقبة تاريخية لم تكن مستهجنة فيها.‏

الثاني :‏ ‏" الخطف ليس عادة عربية ، ولكن قضية اختطاف الفتاة ، كانت ‏عادة درجت عليها بعض الشعوب في الزواج ، أما بالاختطاف الفعلي ، وإما ‏باجراء طقوس الزواج بتمثيل الاختطاف، كما هو الحال عند الجالية الشركسية ‏في بلاد الشام(19) . وهذا يبين أن هذا العنصر ليس عربياً ، وإنما هو وليد ثقافات غير عربية ، وتمازج مع الثقافه ‏العربية نتيجة التاثر والتأثير . وهذا الاحتمال يتساوق مع قصصنا وحكاياتنا ‏العاطفية العربية ، حيث لم نر اي ذكر للخطف في قصص قيس وليلى ، ‏عروة وعفراء ، وعنتره وعبله …. الخ ولم يلجأ البطل لهذه الأداة ، وقد يكون ‏قادراً عليها كما في حكاية عنترة مثلاً . ‏

يدرس "فون ديرلاين(20) " الاحتمال الأول في تحديد هذا الجزيء ، ‏حيث يشير الى عادة (الخطف) بقولة : وكثيراً ما يختطف أبطال الحكاية ‏الشعبية والخرافية الفتيات اللائي يتزوجون منهن ، ويقودونهن بعيداً عن اسرهن ‏، ولهذا يخفي الاباء بناتهم ، أو يكلفون خطابهن الذين يرغبون في الزواج ‏منهن بواجبات تبدو غير ممكنة التحقيق وليس هذا مجرد خيال ، فعادة ‏اختطاف العروس ترجع في الحقيقة الى عصر مبكر" . ولربما هذا العصر ‏المبكر ، هو العصر الذي حددته الدكتورة نبيلة ابراهيم ، وهو العصر ‏الأسطوري ، ومهما يكن من أمر ، فإن أحد الاحتمالين ، أو الاثنين مجتمعين ‏قد يبرران هذه المسألة.

‏-ماء الحياة : ينبي الايحاء الأولي لهذا الدواء ، على أنه نقيض الموت ‏، وتركز الحكاية الشعبية على فاعلية بطلها ، والفاعلية ايضاً هي نقيض ‏الموت ، حيث يعني الموت في الحكاية الشعبية نهايتها . إن هذا الدواء ‏الأسطوري الذي يعالج البطل ، وينقذه عادة من الموت ، نجده في مغامرات ‏ابن الملك(21) . حيث الملك يقتل كل طبيب يعالج ابنته ، ولا يتحقق الشفاء ‏على يديه ، إلى أن تأتي الحكاية بطبيب متصل (بنسر غول) ، فيأتي بهذا ‏الدواء ويعطيه للطبيب الأخير ، وتشفى بنت الملك .‏

ان كل شبر في جسد نجم ، فيه ضربة سيف ، وجرح ينزف ، ولم ‏يتركها المهاجمون إلاّ وقد ظنوا أنها ميته . وهنا تقف كل الأدوية عاجزة عن ‏شفائها ، إلاّ دواء أسطوري واحد ، ألا وهو "دوامية الحياة " فيتوسل به السارد ‏، لكي تتناوله نجم بواسطة الطبيب (حكمون) ، وتشفى نجم ، وتعود لها ‏فاعليتها ، لتستمر الحكاية .. وتربط الحكاية هذا الدواء الخرافي ، بحكمون ، ‏وتميزه بأنه يهودي ، الا نلمح هنا تسلل الدهاء اليهودي ، الى مخيلة الموروث ‏الشعبي ، ربما نلمح ذلك ، وربما لمحنا أيضاً ارتباط هذا الدواء السحري، ‏بالخزعبلات ، وأدوات السحر، (والحجابات) التي تميز بها اليهود ، أو هكذا ‏بدت في مخيلة الموروث الشعبي . ‏

‏-الثوب المختم باللولو: إذا كان العاشق يضحي بحياته من أجل ‏معشوقته، فمن باب أولى أن يضحي بكل ما يملك في سبيلها ، إن الثوب ‏المختم يضعنا أمام عنوانين الأول : مدى حب منصور لنجم ، وثانيهما وهو ‏الأهم المستوى الاقتصادي الذي نعم به بطل الحكاية منصور ، في ظل ‏مجتمع زراعي رعوي فقير ، ولرفع قيمة هذا الثوب - في الحكاية - إتصل ‏بعنصرين مكاني ، وبشري غريبين عن بيئة البطل .‏

فالثوب النفيس لم يكن ابن بيئته ، بل سافر منصور لجلبه من ‏‏(مصرالعديه ) ، وهذا في رأيي - رمز لمكانة مصر الرفيعة في البلاد العربية ‏، ولكن الغريب ، أن الثوب لم يكن من صناعة مصرية عربية ، بل كان ‏صناعة أجنبية ، صنعه الخواجا ، وهذا في رأيي -رمز لمكانة الصناعة ‏الأجنبية الرفيعة في عقلية العربي ، والتي ما زلنا نعاني منها حتى في وقتنا ‏الحاضر .‏

راح عَ مصر العديه تا يجيب الثوب لحبابو ‏

ما خللا ولا دكــان إلا وقف عَ بابو

إلاَ دكــان المتيم من العجل خلعلو بوابو

‏ قام الخواجا مرتث محروق عظام الي جابو

‏ شو بتؤمر يا منصور ‏ ‏ شو بدك لحبابو ‏

‏ قللو بدي الثوب المختم باللولو لحد كعابو ‏

‏ قال الخواجا : تفضل يا منصور ريته مبارك ع صحابو ‏

والخواجا متيم في حكاية منصور ، ليس بدعة جديدة ، بل نجد انواعا ‏مختلفة من هذه العناصر غير العربية في ثنايا حكاياتنا ، والخواجا في الحكاية ‏الشعبية ، غالباً ما ينظر اليه نظرة المغضوب عليه، لأنه يرمز إلى الإنسان ‏المستغل ، المحتكر ، الذي يتاجر بكل شيء حتى بشرفه ، من أجل كسب ‏المال ، وهذه النظرة (الميكيافيلية) هي التي جعلت منصوراً يشتمه مثلاً : ‏‏"محروق عظام اللي جابو " .. ، والخواجا (مرتث) أي خائف لا يحرك ساكناً ‏، نتلمس هنا أن لسان حال منصور يقول : خذ غايتك من المال -يا من تحب ‏المال حباً جماً -وأعطني حاجتي .. ‏

ويبدو (خواجا) آخر ، في حكاية أم المصائب(22) ، تستخدمة البطله ‏مطية ، كي تبرهن لابليس أنها أقوى منه ، وملخص الحكاية : أن امرأة تحدت ‏إبليس في قوتها ، وادعت أنها أقوى منه .. فقام ابليس لتوه وفتن زوجين ‏سعيدين بحياتهما ، وأدت الفتنة الى طلاق .. وعاد ابليس الى المرأة مفتخراً ‏بعمله ، وحيلته ، التي اودت الى طلاق الزوجين . واعتقد أنه منتصر لا ‏محاله . وما كان من المرأة إلاَ ان ذهبت الى الخواجا التاجر الداهية ، (الذي ‏أكل البلد وشربها) وادعت ان ابنها يحب فتاة ، وأنها تريد شراء منديل لها من ‏دكانه ، لكي يهديه ابنها لفتاته، وهنا يشعر الخواجا بمدى حاجة المرأة للمنديل ‏، فيبالغ في ثمنه ، تدفع المرأة ثمن المنديل، وتضع عليه علامة على مرآى من الخواجا ، ثم تذهب الى بيت ‏الخواجا ، وتطلب من زوجته ماءً كي تشرب ، وتستريح من عناء السفر ، ‏وتذهب الزوجة لاحضار الماء، فتضع المحتاله المنديل تحت وسادة الخواجا ، ‏تخرج المرأه من البيت ، ويرجع الخواجا، ويجد المنديل الذي باعه تحت وسادته ‏، فيطلق زوجته ، ويقعد مهموماً حزيناً ، وفي اليوم التالي ترجع المرأة لبيت ‏الخواجا ، مدعية ، أنها مرت بالبيت ، واستراحت فيه ، ونسيت منديلها ، ‏فيعرف الخواجا أنه أخطأ في حق زوجتة ، وتتطوع المرأة بإرجاع الزوجة لبيت ‏الزوجية من بيت أهلها ، وهكذا كان ، وفازت المرأة على ابليس ، حيث دمّر ‏ابليس بيتاً ، بينما هي دمرت بيتاً وكانت قادرة على إصلاحه مرة ثانية . ‏

‏" وخواجا حكاية بائع الماء" مظهر آخر من مظاهر الطمع ، والجشع ، ‏والاستغلال وحب المال ، فالسقا عزم الأمير عَ جوز حمام ، وقبل تناول ‏الطعام سأل الأمير : أي جزء من الحمام ألذ ؟.. أجاب السقا : الجلد ، فأكل ‏الأمير جلد الحمام ، وطاب له المذاق ، فأنعم على السقا ، واصبح السقا غنياً ‏‏..‏

ويسمع الخواجا التاجر ، القصة ، فيعزم الامير على جاموس ، وذلك ‏لمزيد من الكسب المالي ، وهنا يسأل الأمير قبل تناول الطعام : أي جزء من ‏الجاموس الذ ؟.. فيسارع الجشع ، وكل تفكيره وهمه بالمصاري ، الجلد .. ويحاول الأمير أكل ‏الجلد ، ولكن لا يستطيع ذلك ، فيأمر بمصادرة أملاك الخواجا ، وسجنه .. ‏

ان هذا الجزيء في الحكاية، ينبي - بلا أدنى شك - عن نوع من ‏العنصرية والاستعلاء العربيين ، مقابل العناصر غير العربية ، فخواجا ‏منصور خائف ، (ومحروق عظام اللي جابو) ، بينما نرى الخواجا بلهجة ‏التذلل ، يسأل شو بتؤمر يا منصور، ويجامل منصوراً (تفضل يا منصور)، ‏فيجيب منصور : (بدي) بلهجة الأمر ، المرتكزة على ما يريده الخواجا من ‏مال . ‏

السقا: بائع الماء.‏ عزم: دعا عَ: على جوز: زوج مصاري: مال

ونرى (الخواجا) في غالب الحكايات الشعبية ، صاحب صنعة ، وهذا ما ‏يسقط نفسه على طبيعة مجتمع منصور ، والذي خلا من وسيلة الانتاج ‏الصناعية هذه ، وظل يسير في بوتقة المجتمع الزراعي العاجز عن صناعة ‏ثوب مختم باللولو .‏

‏-المغارة (الكهف): توحي فكرة سكن الكهوف بأيام ، الرومان ، والفرس ‏، فكثير من الكهوف التي وجدت في فلسطين ، تبين أنها تنتمي لأحد هذين ‏العصرين ، والمغاره في حكاية منصور ، لا تعني سكناً ، بقدر ما تمثل تكيف ‏الإنسان وتأقلمه مع وضع جديد ، فاذا خرج من بيته ، ونتيجة لظرف ما فإنه ‏يسكن في أي مكان ، تحت صخره ، أو في مغاره ، أو حتى في الفلاه ، ‏وإقامة منصور في المغاره كان نتيجة لمعركة كادت تودي بحياة حبيبته ، ‏فأنسب مكان لعلاجها ، بعيداً عن الأعين ، هو هذه المغاره .‏

وردت المغارة في كثير من الحكايات الشعبية التي تظهر التحدي ‏والقوة ، والحكاية التي وردت في (قصص شعبية فلسطينية ) (23) ، وحكايات ‏جان من بني زيد(24) ، والتي تدور حول رهان بين الشباب الاقوياء ومن ‏باستطاعته منهم دقّ وتد ليلاً في مغارة معروفة لهم، فيسرع أكثرهم شجاعة ‏حاملاً وتده ، ليدقه في المغارة ، وهناك يدق الشجاع الوتد في جزء من ثيابه ‏وفي الأرض ، فيثبت الوتد الرجل عندما ينوي الانصراف ، وقد أنهى مهمته ، ‏وعندها يظن الرجل ان الجن امسكت به .. وينهار من الخوف ….. وتظهر ‏هذه الشجاعة بشكل آخر، في قدره منصور على التاقلم في هذه المغاره ، وتعزز صورة الشجاعة ‏هذه قوة منصور بإغلاق باب المغارة ، بالصخرة الكبيرة ، التي لا يستطيع ‏رفعها إلا البطل ولم تكن المغاره والسكن بها ، والتكيف بهذا السكن ، المكان ‏الوحيد ، لتحدي قدرة أبطال الحكايات الشعبية ، ولنسمع ما قاله صاحب ‏الجفرا:‏

جفرا ويا للربع اتحط التبن في الخيش واللي جوزها نذل ترخي السوالف ليش ‏

لهجر بيوت الحجر وسكن بيوت الخيش ودور مع البدو ووخذ بدويا ‏

فتحدي فارسنا هنا ، هو في هجرة للسكن في بيوت الحجر ، ومقدرته ‏على التكيف في بيت الخيش (الخربوش) ، وأن يرجع حضارياً للوراء ، ليعيش ‏عيشة البداوة ، - على حد تعبيره.‏ ‏-مسك الختام في هذه (الموتيفات) هو ذكر الخابية في حكاية منصور ‏، نقول مسك الختام ، لأن الخابية ، ظهرت في الحكاية من أقدم العصور ، ‏وحتى عصرنا الحالي ، والخابية هي مستودع الفلاح من الغلات ، حيث يحفظ ‏غلاته فيها ، كانت قديماً طينية ، ثم تطورت ، وأصبحت تصمم من الخشب .‏

فالخابية موجودة في حكاية (نص انصيص والغول ) الأسطورية ، وما ‏زال التداول بها في أيامنا هذه في بعض قرانا الفلسطينية .‏

إن تعبير منصور ، وهو يذرو طحينه - على خابيتنا الوسطى ، ‏لدليل آخر على غنى الرجل ، وامتلاكه أكثر من خابية .‏

الأحداث

تتسلسل أحداث الحكاية -وكما هي الحكايات الشعبية-، في مقدمة ، ‏وعرض ، وخاتمة.

يظهر البطل الفارس ، في البداية ، أمير بلدته ، في مسرح الحكاية ، ‏وتهئ الحكاية أسباب لقاء نجم ومنصور الأول ، وفجأة وبلا مقدمات يقع ‏منصور ضحية الحب أو لقصة حب إن هذا الحب والذي نتج من نظرة أولى ‏هو الحب التقليدي في معظم حكايات العاطفة العربية، ومن سمات هذا الحب ‏أنه يملك على الرجل قلبه ، وعقله.. بل حياته . ويقع في حب جنوني لا ‏يتورع عن أي احتمال ، فهو حب بطولي ، وتوفر المرأة كل أسباب هذه ‏البطولة، ومن سماته أيضاً : أنه إذا أحبت المرأة ، ولم يستجب فتاها فإنها ‏تفشل في حبها ، وإذا أحب الرجل فتاته ، فلا بد لها أن تستجيب(25) .‏

وحكاية منصور العاطفية ، تدور في مجتمع ريفي زراعي ، حيث تم ‏اللقاء الأول في البرية، وبين احضان الطبيعة ، وينطلق الحب من امتداد ‏الطبيعة المطلق ، وما يرافق ذلك من اتكاءات على صوت (الشبابه)، أو ‏مواويل العتابا والميجانا … وهذا هونمط الحب (الفلاحي)، -إن دق التعبير-، ‏حيث ارتبطت الأرض والعمل بالزراعه ، بالحب والعاطفة ، عبر الأغاني ، ‏والأهازيج ،والمواويل ، -وتكاد لا تخلو أغنية شعبية فلسطينية ، من ذكر ‏للأرض ، أو ما نتج عنها من ثمر، شجر، زهر، حنون، ورد ……‏

مرت ما مرت مرت ما مرت ومرواد الكحل في العين جرت ‏ ‏ خبطت عَ العشبه والعشبه اخضرت ومطرح قدمها نبتت حنونا(26) ‏ وهذا مقطع آخر يقسم الأرض الى قطع مستطيلة (مارس) ، ويتغزل ‏بالمعشوقه :‏

آه يابو ميلوية مر ما سلم عليه ، مر من بين الموارس مر وما ‏أعطاني مارس (27)‏

والحصّاد يبدي فروسيته في الحصاد ، ويغني ، ومنجلة يسانده ‏بالموسيقى :-‏

منجلي يا منجلا راح للسايغ جلا

ما جلاه الا بعلبه ريتها العلبة عزاه

منجلي يا بو الخراخش يا اللي في الزرع طافش (28) ‏

عَل إحداهن ، تراه ، فتبدي الإعجاب بفعله ، وتحديه للقش ، وغناه على ‏أنغام منجله الذي ربط فيه جرس صغيرة (عباره عن قطعتي حديد ) ، وكلما ‏تحرك المنجل ، صدر صوت عن الجرس الحديدي . ‏ والراعي الذي كان "يقلب الأرض بشبابته (29) يردد على مسمع ‏السارحات * (والمروحات)*:-‏

ياللي مريتي وبيدك لوحتِ بعدك بالسهل والا روحت

وقليبي والله انك سوحت*‏ وطشيت* في الجبل مثل المجنونا ‏


إن الأرض في الوجدان الشعبي ، مرتبطه بالعاطفه ، والحب ، ‏والجمال ، وحتى مقاييس الجمال في المفهوم الشعبي مرتبطة بالأرض ، ‏فالخصر عود الخيزران ، والخد حب التفاح، والنهد حبة رمان، والشعر حبل ‏الجماّل… ، والحبيب يعمل في الأرض : ‏

والزين زين العطّارة ‏ والزين ما عليه خسارة ‏

والزين زارعلو شكارة يا لابس لبس الأمارة (30) .‏

السارحة : المرأة متجهة للعمل بالأرض طشيت : يسير بلا عقل شكارة: زرعة في أرض

المروحة : المرأه المتجهة للبيت من العمل الزراعي سوحت : أصبح القلب هيماناً

فلم يمنع الجمال ، وتزيين هذا الجمال (بلبس الأماره) ، من أن يعمل ‏الحبيب بالزراعة ، ويزرع (شكاره) *.‏

من هنا ، فانه ليس من باب الغريب ، أن يلتقي العاشقان في البرية، ‏وأن تدور معظم أحداث الحكاية المهمة في البرية، مثل السفر ، والرعي ، ‏والتجاره ، والخطف ، وحرب الفرسان ، وحتى المستشفى الذي صممه منصور ‏في مغارة … ‏

ويتغير حال العاشق (منصور) نتيجة لأول لقاء ويتحول الأمير ‏منصور، الى عاشق وله ، لا يهتم بمظهره ، وتملأعليه الحبيبة كل حياته ، ‏وتغير الحال هذا نتلمسه في معظم -إن لم نقل في كل الحكايات العاطفية ، ‏رسمية كانت أم شعبية، ونتلمس أيضاً فيها-كما نلمس في حكاية منصور-، ‏ظهور هذا العشق في المجتمع، وقصته تدور على كل لسان ، مما يؤدي الي ‏فضيحة – من وجهة نظر اهل الحبيبة - وتفشل الجاهة -أهل الحل والعقد في ‏القرية -في إقناع أهل نجم من تزويجها لمنصور، (ولا تشرب الجاهة قهوتها) ، ‏كناية عن مدى الفشل الذريع الذي وصل اليه اصحاب الجاهه في مداولاتهم ‏مع أهل نجم ، وتسوء حال منصور أكثر نتيجة لهذا الفشل . ولكن الجاهة ‏تنجح في إخراج أهل نجم من القرية ، وهنا ندرك مصدر قوة الجاهة في القرية، ‏النابع من أمرين :‏

أولاهما:‏

عدم (توجيب) أهل نجم للجاهة ، وعدم إحترام أهل نجم للجاهة ، وذلك ‏برفض طلب الجاهة (تزويج نجم من منصور) . ‏

ثانيهما:‏

التعاطف مع منصور، الأمير، صاحب الصيت، والذي بدا محبوباً في ‏مجتمعه .‏

في هذه المرحلة ، كان البطل ناراً تحت رماد ، ويحاول حبك الحيل، ‏لاجتياز المرحلة ، وإثبات فاعلية البطولة ، وتنجح حيلة خطف نجم، بعد أن ‏تقمص الحبيب صورة شيخ جليل، وتعرفه نجم وحدها ، لدى سماعها صوته ‏الجميل ، وهو يؤذن للصلاه في غير وقتها … وهنا تظهر فاعلية البطلة في ‏مساعدة البطل على اختطافها ، فالبطلة هنا ليست المرأة الجميلة، التي تنتظر ‏قدرها ، وليست كما يقول علي الخليلي " إن جسد المرأة هو المرأه ذاتها في ‏الوجدان الشعبي ، فهي جميلة ، أو بشعه ، طاهرة أو نجسه، بيضاء أو سوداء ‏‏… (31).‏

بل نرى نجماً تضاهي منصوراً في فروسيته ، وتكمل الحيله ، وتشارك ‏في عملية الخطف . ويتزوج العاشقان على سنة الله ورسوله ، ويقيمان في ‏وضع شبه آمن فتره من الزمن.‏

وتصبح الكره في ملعب أهل نجم ، وتتوالى الحيل المضادة ، والتي ‏كانت حكاية الإقطاعي مع نجم مقدمة لها ، وهنا نرى كيف حنى منصور رأسه ‏للعاصفة ، وسمح لنجم أن تذهب للإقطاعي برفقة نساء المنطقة ، وهذا الملمح ‏يشير الى كيفية ترتيب الأوراق ، والقوى السياسية في تلك الفتره -فترة ‏الإقطاع- فمهما بلغت فروسية منصور، وقوته، وبطولته ، الإ أنه يقبع في ظل ‏حياة إقطاعية، للإقطاعي فيها الكلمة الأولى والأخيرة ، ولا تجدي مجابهته ‏بأي شكل من الأشكال .‏

ثم تتوسل الحكاية (بحادثة المطحنة) ، لكي تنجح حيلة أهل نجم ، ‏وحيلة الخطف المضاد ، وتدور رحى معركة طاحنة ، فيها الكثير من المبالغة، ‏ويخرج منها منصوراً سالماً معافى ، بينما تكون نجم بين الحياة والموت . وهنا ‏يأتي دور (حكمون) الطبيب ، ويعمل الطبيب المعجزات لشفاء نجم ، وتشفى ‏نجم ، الإ أن الطبيب يشترط على منصور بعدم الاتصال الجنسي معها مدة ‏أربعين يوماً .‏ إن ظهور الجنس في هذا الجزء من الحكاية ليس بالأمر الغريب، بل ‏أتى وكأنه تتويج لهذا الحب المثالي ، وتتويج لانعدام المسافات بين الحبيبين، ‏‏" حيث لوحظ أن المسافه التي تفصل بين اثنين تعتمد على مدى العلاقه ‏بينهما ، وكلما زاد التقارب في المشاعر بينهما قلت المسافه التي تفصل ‏أحدهما عن الآخر لتصل الى الصفر (32) إن هذه المشاعر بين الحبيبين لم ‏تكن وليدة لحظتها.. بل تعاظمت ، وتأججت ، وتكاملت عبر صراعات ، ‏وخوارق ، وأحداث اشبه بالمعجزات ، إذن ليس غريباً ان تختصر هذه المشاعر ‏المسافة بين الحبيبين ، بل أن تلغيها تماماً ، وتصبح تلك المسافة صفراً .‏

هذه بشكل عام مجمل أحداث الحكاية ، والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا ‏الموضع هو: كم من الوقت استغرقت هذه الأحداث ؟… الإجابة بالقطع ، ليست قضية ‏ايام، فالحكاية مبنية على مسلسل من الأحداث ، والتي يحتاج كل حدث منها لوحده ‏‏(أياماً ) ..، وهناك لحظات سكون ايضاً غير محددة بزمن مثل "وتمر الأيام هانئة ، ‏وديعة ، ومنصور في قصره، ونجمه المتلأليء حوله " … يجيب السارد (33) أن الحكاية استغرقت سنيناً ، ‏قدرها بعشر سنين. ولكن في رأيي-أن التحديد هنا فيه نوع من التعسف والاعتباط، ‏والحكايات الشعبية لم تحفل بتحديد ازمان لأحداثها ، فكثيراً ما نلحظ من الحكايات ‏عبارات غير محددة لزمن مثل : في قديم الزمان ، وتمر الأيام والسنين ، (وابن ‏الخريفيه بسرعه يكبر).. حيث يلد في جمله سردية، ويكبر في التي تليها مباشرة ..‏

وهنا أرى ان حكاية منصور حدثت في سنين ، ولكن تحديد عددها في ‏غاية الصعوبة بل الاستحالة.‏ وكأي حكاية شعبية تقليدية نستطيع أن نقسم أحداثها الى أحداث ‏إيجابية لصالح البطل، وأحداث سلبية ضده . و يمكن تلخيص الأحداث ‏الإيجابية في :- ‏

‏-أرستقراطية البطل ، واحترام الناس له .‏

‏-دور الشعار ، واعلامهم منصوراً بمكان وجود الحبيبة المهاجرة .‏

‏-نجاح حيلة منصور وخطف نجم ‏

‏-الحياة الهانئة نسبياً التي عاشها الحبيبان بعد نجاح حيله الخطف .‏

‏-الخلاص من الإقطاعي .‏

‏-سفر منصور وربحه من تجارته .‏

‏-انتصار البطل على المهاجمين (أهل نجم) .‏

‏-نجاح منصور في حيلته على الطبيب .‏

‏-شفاء نجم .‏

‏-الحصول على الثوب المختم باللولو .‏

أما الأحداث السلبية فنجملها في التالي:-‏

‏-رفض أهل نجم تزويج ابنتهم للبطل .‏

‏-رحيل أهل نجم ، ورحيل قلبه معهم .‏

‏-الإقطاعي ، وحكايته مع نجم .‏

‏-رحلته للفارعة لطحن الحبوب .‏

‏-نجاح حيلة المهاجمين واختطاف نجم .‏

‏-جرح الحبيبة جروحاً بالغة .‏

‏-شرط الطبيب في عدم الاتصال الجنسي بين الحبيبين، وموت نجم .‏

‏-إصرار البطل على الموت بجانب الحبيبه .‏


نتيجة لهذا التحليل نرى أن هناك توازن تقريبي بين السلب ، ‏والإيجاب ، ونرى نتيجة لذلك موت البطلين ، في ظروف شبه ماساوية ، لكن ‏هل كانت غاية هذه الحكاية تكمن في موت البطلين بهذه الصورة ، دون ‏تحقيق أي هدف آخر ؟‍‍‍‍‍! .. ‏

ان الجواب في رأيي : كلا .. إن غاية الحكاية النهائية تكمن في تخليد ‏صورة من صور الحب الأفلاطوني ، فالحكاية تضحي ببطلين فاعلين، من ‏أجل إحياء جذوة حب ،واشتعالها .. وإبقائها مشتعلة على مر الأيام والسنين ، ‏وتنتقل من جيل لآخر .. إن قيمة هذه الحكاية في الموروث الشعبي ، كقيمة ‏اية أغنية أو مقطوعة شعرية ، تطرب لها وتلتذ حين سماعها .. ، فهي لم ‏تحفل بحياة البطلين ، بقدر ما حفلت بأن تطرب الناس بأحداثها ،وتجعلهم ‏يتعاطفون ،ويتوترون ويلتذون تبعاً لنوعية تلك الأحداث وتسلسلها . ‏

الخاتمة

الموت في الحكاية هو النهاية الزمنية ، يصل إليها الكائن الحي عند ‏انتهاء الفاعلية، لأن الفاعلية تعني الحركة والاستمرار ، وبالتالي فهي تعني ‏الحياة ، فاذا انتهت وصل الإنسان للجمود ، الذي هو الموت بعينه ، فالموت ‏في الحكاية الشعبية هو السد الذي يمنع الأحداث من الاستمرار ، ويوقفها .‏

هذا هو معنى الموت في بنية الحكاية الشكلية .. لكن الموت في حياة ‏العشاق له معان أعمق ، حيث يمثل الموت الفقدان الأبدي المطلق ، والرحيل ‏الذي لا لقاء بعده .. ومن هنا كان إصرار منصور على الموت بجانب نجم .. ‏لأن حياته لا معنى لها بدون نجم … ونجم هي حياة منصور .. فيسارع ‏منصور للخلاص من (حياة بدون نجم ) علّه يلتقي بها في الحياة الأخرى .‏

ويصر الموروث الشعبي على لقاء الحبيبين من خلال لقاء الجمجمتين ‏، وما صورة اللقاء هذه إلا تعبيراً عن لقاء الحبيبين في الدنيا والآخرة ، وتخليداً ‏لقصة الحب بينهما .. ‏ إن حكاية منصور ليست الحكاية الشعبية الوحيدة التي تظهر جمجمتين ‏لعاشقين تلتقيان .. بل يزخر أدبنا الشعبي، والرسمي بمثل هذه الصورة .أو ‏صوراً مشابهة لها.‏

عن عبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه قال: كنت عند الرشيد ‏، فدخل العباس بن الأحنف ، فقال : يا أمير المؤمنين ، قد عملت شعراً لم ‏يسبقني الى معناه أحد . فقال : هات ..! فأنشد:(35).

اذا ما شئت ان تبصر شيئاً يعجب الناسا ‏

فصوّر ها هنا فوزاً وصوّر ثم عباسا

ودع بينهما شبراً فإن زاد فلا باساً ‏

فإن لم يدنوا حتى ترى رأسيهما راسا ‏

فكذبه وكذبها بما قاست وما قاسا ‏

فنظر إليّ الرشيد فقلت: يا أمير المؤمنين قد سبق إلية فقال : ‏

لو أن صورة من أهوى ممثلة وصورتي لاجتمعنا في الجدار معا ‏

إذا تأملتنا ألفيتنا عجبـاً إلفـين مـا افترقنـا ولا اجتمعـا ‏

فأعرض عنه الرشيد ، فقال والله يا امير المؤمنين ، وحق رأسك ما ‏سمعت بهذين البيتين، فلما خشي الأصمعي أن يحرم الرشيد الرجل قلت: ‏صدق والله يا أمير المؤمنين أنا عملت البيتين الساعة ، فأمر له بجائزة ، ولي ‏بضعفها .‏


وفي رواية أخرى قال الأصمعي(36) وكان بيني وبين عباس شيء ، ‏فقلت : مسترق يا أمير المؤمنين ، فقال : ممن ؟! .. قلت من العرب والعجم . ‏قال : ما كان من العرب ؟! ..قلت : رجل يقال له عمر هوي جارية يقال لها ‏قمر ، فقال : ‏

إذا ما شئت أن تصنع شيئاً يعجب البشرا

فصور ها هنا قمرا وصور ها هنا عمرا ‏

فإن لم يدنوا حتى ترى بشريهما بشرا

فكذبها بما ذكرت وكذبه بما ذكرا ‏

قال: فما كان من العجم ؟ قلت : رجل يقال له فلقاء هوي جارية يقال ‏لها زورى فقال : ‏

إذا ما شئت أن تصنع ‏ شيئاً يعجب الخلقا

فصور ها هنا زورى وصور ها هنا فلقا ‏

فإن لم يدنوا حتى ترى خلقيهما خلقا ‏

فكذبها بما لاقت وكذبة بما يلقى ‏

ويورد صاحب (تزيين الأسواق) (37) أنه لما قضت (عفراء) دفنت الى ‏جانب (عروة بن حزام) فنبتت من القبرين شجرتان ، حتى إذا صارتا على حد ‏قامه التفتا ، فكانت المارة تنظر إليهما ولا يعرفان من أي ضرب من النبات ‏وأنشد فيهما الناس :‏

غصنان من دوحة طال ائتلافهما فيها فجالت صروف الدهر فافترقا ‏

فصار ذا في يد تحويه ليس لـه منها براح وهذا في الفلاة لقــا ‏

حنا إذا ذويا يوماً وضمــهما بعد التفرق بطن الأرض واتفقا ‏

‏ حنا على الأرض في أرجائها فحنا كل على الفه في التراب واعتنقا

إن هذه الصور في اللقاء في عالم الروح والمعنى ، تشير الى سيرورة ‏الحكاية في المطلق ، وكأن الحكاية بلا نهاية ، فإذا انتهت الحكاية في عالم ‏البشر الواقعي ، فانها تكمل المشوار ، ويلتقي البطلان في عالم الأرواح ‏والمعاني .‏

الشعر في حكاية منصور بن ناصر :‏

يعبر الشعر في هذه الحكاية عن اللحظات الوجدانية التي عاشها ‏البطل ، ويحاول منصور -أو الراوي الذي يصف أحوال منصور -أن يرسم ‏بالشعر أحداث الرواية، فيمثل جزء من هذا الشعر، مناجاة منصور مع نفسه ‏‏:-‏

مثل منصور بن ناصر بالهوى ما حدا جابو ‏

وآجا على العطاره لقي العطّاره خرابو ‏

وصف غزالك يا منصور وصف غزالك لا تهابو ‏

وتتطور هذا المناجاة ، لتخرج من مجال النفس ، والشعور الداخلي، ‏الى المجال البيئي الخارجي ، فتتمثل في حوار بين منصور وموجودات ‏الطبيعة ، من طير ، وحجر ، وشجر … الخ . ‏

وتتجسد هذه الموجودات في صور إنسانية تحاور منصوراً .. إن هذه ‏الظاهرة هي ما عبّرت عنها الحركة الرومانسية ، وسمتها ظاهرة التجسيد ‏‏(الشخصية ) ‏Personification‏ (38) :‏

صار يسأل حجار الدار ‏ يا يما وين احبابو ‏

رد عليه غراب البين ‏ يا يما مصعب جوابو ‏

وترد الحجارة : امش يا الله يا منصور عَّ السويدا لا تهابوا ‏

ويرد الغراب : شالوا وشيلوا درب السويدا ميلو ‏

ويورد د. عمر والساريسي(39) تجسيداً مشابهاً في حكاية "الرياشي":-‏

يقول الرياشي: والرياشي هيثم حيطان قلبي هدد البين سورها ‏

سألتك بالله يا دار وين راحو أهلك هم اللي كانوا حماها وسورها .‏

ردت علّي الدار وأثنت اتقوللي هذولاك من تالي الليل حملوا حمل ‏المطايا يا صدورها. ‏

قال: ‏ سألتك بالله يا دار ميتا يعاودون أهلك ‏

هم اللي كانوا حماها وسوارها ‏

قال: ‏ قعدت في شمس مغاريب مادبااحكحك ضلوعي …… ‏

قال : ‏ أيا طير اخضر مغرب على بلاده يزورها ‏ ‏ قلت وأنا علامي عن بلادي ما زورها.. ‏

ثم توظف الحكاية جزءاً آخر من الشعر لبيان حال منصور في مصر ‏لدى بحثه وشرائه لثوب نجم (المختم باللولو) وحواره مع الخواجا .‏ أما القسم الأعظم من الشعر فتوظفه الحكاية لبيان سمات نجم الجمالية، ‏وكأن لسان الحكاية يود أن يعبر عن أهلية نجم لكل هذه التضحيات ‏،والمغامرات ، وأن هذا الجمال يستحق كل فروسية منصور ومخاطراته .. ‏فطولها رمح خيال ، شعرها حبل جمّال ، والوجه هلال ، والخد مرمر.. الى ‏آخر الأوصاف والتشبيهات الملائمة والمنسجمة مع ثقافة مجتمع زراعي ، نشأ ‏فيه البطلان ، وتبادلا حباً بحب ، وماتا فيه . ‏

الهوامش

‏1- ‏ تيمور ، محمود ، فن القصص -دراسات في القصه والمسرح ، ‏مصر . مكتبة الآداب ومطبعتها ، طبعة بلا تاريخ .‏

‏2- ‏ د.ذهني ، محمود، الأدب الشعبي العربي، مفهومه ، ومضمونه ، ‏مكتبة الأنجلو مصرية ، الطبعة بلا تاريخ .‏

‏3- ‏ د.ذهني ، محمود ، مصدر سابق .‏

‏4- ‏ راجع حكاية منصور في الملحق .‏

‏5- ‏ ‏ ما سمعه الباحث من الرواة من قرية العطّاره عبد القادر حنتولي ‏، أحمد رابعه ، محمود ابو حجة .‏

‏6- ‏ ‏ شراب ، محمد محمد ، معجم بلدان فلسطين ، دمشق .دار المامون ‏للتراث ، طبعة بلا تاريخ . ‏

‏7- ‏ ‏ راجع حكاية منصور بن ناصر في الملحق .‏

‏8- ‏ ‏ ما سمعه الباحث من الرواة من قرية العطاره .‏

‏9- ‏ ‏ سرد القصه للباحث عبد القادر حنتولي من قرية العطّاره .‏

‏10- ‏ هذه الحكاية سردها للباحث محمد يوسف ناصر من قرية العطاره ‏‏.‏

‏11- ‏ ‏ الحسن ، غسان ، الحكاية الخرافية في ضفتي الأردن ، دمشق ‏‏.دار الجليل للطباعة والنشر والتوزيع ، الطبعة الأولى 1988 .‏

‏12- ‏ ‏ راجع حكاية منصور بن ناصر في الملحق .‏

‏13- ‏ د.كناعنه ، شريف ، الدار دار أبونا ، القدس .مركز القدس ‏العالمي للدراسات الفلسطينية طبعة 1992 .‏

‏14- ‏ ‏ ما سمعه الباحث من عبد القادر حنتولي من العطّاره .‏

‏15- ‏ ‏ خورشيد ، فاروق ، عالم الأدب الشعبي العجيب . دار ‏الشروق -الطبعة الأولى 1991 ‏

‏16- ‏ ‏ د. البرغوثي ، عبد اللطيف ، حكايات جان من بني زيد ، ‏جامعة بيرزيت ، الطبعة الأولى 1979 .‏

‏17- ‏ د. البرغوثي ، عبد اللطيف ، حكايات جان من بني زيد -‏مصدر سابق .‏

‏18- ‏ ‏ إبراهيم ، نبيله ، التراث الشعبي ، بغداد ، العدد الأول ، السنة ‏الرابعة ، وزارة الإعلام 1972 نقلاً عن حكايات جان من بني زيد .‏

‏19- ‏ الحسن ، غسان ، الحكاية الخرافية في ضفتي الأردن -مصدر ‏سابق .‏

‏20- ‏ دير لاين ، فون ، نقلاً عن الحكاية الخرافية في ضفتي الأردن ‏‏- مصدر سابق .‏

‏21- ‏ ‏.د. شميدت ، هانس وكاله ، بول ، قصص شعبية فلسطينية ، ‏بيرزيت تعريب موسى علوش الجزء الأول 1990 .‏

‏22- ‏ ‏ .د. شميدت ، هانس ، وكاله بول ، قصص شعبية فلسطينية ‏‏- مصدر سابق .‏

‏23- ‏ ‏ .د. شميدت ، هانس ، وكاله بول ، قصص شعبية فلسطينية ‏‏- مصدر سابق .‏

‏24- ‏ ‏ .د. البرغوثي ، عبد اللطيف ، حكايات جان من بني زيد - ‏مصدر سابق .‏

‏25- ‏ ‏.الخليلي ، علي. البطل الفلسطيني في الحكاية الشعبية ، ‏القدس ، مؤسسة ابن رشد للنشر الطبعة الأولى 1979 .‏

‏26- ‏ ‏.ما سمعه الباحث من البيئة المحلية /قرية العطّاره .‏

‏27- ‏ ‏ . ما سمعه الباحث من البيئة المحلية /قرية العطّاره .‏

‏28- ‏ ‏.ما سمعه الباحث من البيئة المحلية /قرية العطّاره .‏

‏29- ‏ ‏.ما سمعه الباحث من البيئة المحلية /قرية العطّاره .‏

‏30- ‏ ‏.راجع الشعر في حكاية منصور بن ناصر في الملحق .‏

‏31- ‏ ‏.الخليلي ، علي . البطل الفلسطيني في الحكاية الشعبية ، ‏مصدر سابق .‏

‏32- ‏ ‏.التربية العملية ، منشورات جامعة القدس المفتوحه ، عمان، ‏الأردن . الطبعة الأولى1996 . ‏

‏33- ‏ ‏. ما سمعه الباحث من الراوي عبد القادر حنتولي من قرية ‏العطّاره .‏

‏34- ‏ ‏. الحسن ، غسان ، الحكاية الخرافيه في ضفتي الأردن - ‏مصدر سابق .‏

‏35- ‏ ‏.عيّاد ، شكري ، البطل في الأدب والأساطير، مطبعة المعرفة، ‏‏1959م.‏

‏36- ‏ ‏.عيّاد ، شكري ، البطل في الأدب والأساطير ، مصدر سابق ‏‏.‏

‏37- ‏ ‏.تزيين الأسواق ، نقلاً عن الحسن ، غسان ، الحكاية الخرافية ‏في ضفتي الأردن - مصدر سابق . ‏

‏38- ‏ ‏. نصوص شعرية ، العصر الحديث (3) منشورات جامعة ‏القدس المفتوحة ، عمان ، الأردن ، الطبعة الأولى 1997 . مقرر رقم ‏‏5444 .‏

‏39- ‏ ‏.د. الساريسي ، عمر ، وعبد الهادي ، إبراهيم ، حكايات شعبية ‏من فلسطين والأردن ، عمان ، الأردن . دار النشر، الينابيع للنشر والتوزيع ‏والإعلان ، الجزء الثالث 1992 .‏

إعداد

أ.عمر عبد الرحمن نمر

الحكاية الشعبية : منصور بن ناصر/ الفصل الثالث