حكمت المصري

من دائرة المعارف الفلسطينية
نسخة ١٠:٤٠، ١٨ أكتوبر ٢٠٢١ للمستخدم Yahyaj (نقاش | مساهمات) (أنشأ الصفحة ب'تصغير حكمة المصري 1907 – 1994 إعداد أ.د. يحيى جبر المقدمة بقلم الدكتور: شوكة ز...')
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث

حكمة المصري 1907 – 1994


إعداد أ.د. يحيى جبر

المقدمة بقلم الدكتور: شوكة زيد الكيلاني عضو مجلس أمناء جامعة النجاح الوطنية

لقد سعدت كثيرا بمراجعة هذا الكتاب قبل دفعه للمطبعة، وإني إذ أشكر القائمين على إعداده ونشره، وأثني على جهودهم في إصدار الموسوعة التربوية الفلسطينية، لأرجو لهذا الكتاب أن يعرَف القراء بصاحب السيرة، حكمة المصري، تعريفاً يفيه حقه، وينير جانباَ من الحقبة التي امتد فيها نشاطه على مدار القرن العشرين، وهو بذلك قمين لدقة مادته، وجودة أدائه، وحسن سبكه. لقد كان حكمة المصري أهلاً للخير، ويجدر بنا أن نخلد سيرته لتظل نبراساً يضيء طريق العمل الخلاق لأولي العزم من الساعين لرفعة شأن الوطن والأمة، ذلك بما كان دائب العمل على خدمة بني وطنه بروح وثّابة مؤمنة، وبعزيمة صلبة، وبما كان يتمتع به من حميد الخصال: وفاء شديد لأصحابه، وكرم وشهأمة قلما نجد مثيلا لهما، ونفس نبيلة شفافة لا تعرف الخبث والحقد، ومقت للظلم والكذب، وإيمان بالعدالة الاجتماعية، وبإتاحة الفرص المتكافئة، كما كان يؤمن بالاشتراكية والديمقراطية. كان حكمة في مراحل عمره المختلفة أنيقاً في سلوكه وملبسه وحديثه، متعففاً عن صغار الأمور، متفائلاً في أحلك الظروف، ومبشراً دائماً ببزوغ الفجر المشرق، والوصول إلى الحرية والعالم الأفضل. وكان في إدارته لجلسات الهيئات الإدارية التي ترأسها، وفي جلسات مجلس عمدة النجاح ومجلس الأمناء من بعد – مرناً لبقاً يحب أن يحاور، ويستمع باهتمام للرأي الآخر، ولو كان مخالفاً، ويحترمه، ولا يحاول أن يفرض رأيه بالقوة، ويحترم المبدأ الديمقراطي في إدارة الجلسات، وبالتالي، فقد كان – رحمه الله – برلمانياً من طراز رفيع ونادر. وكان يوظف كل طاقاته ومواهبه وخبراته لخدمة الوطن والأمة في محاور النشاط السياسي والنضال الوطني على مدى نيف وستين عاماً، وكذلك في النشاط الاقتصادي في عالم الصناعة والتجارة، وفي النشاط التعليمي والتربوي من خلال جهوده العظيمة في " النجاح الكلية ثم الجامعة. وكان المرحوم حكمة مثقفاً أدمن المطالعة باللغتين العربية والإنجليزية. يقرأ دائماً في السياسة والاقتصاد والتاريخ والأدب، وكان حين يتحدث عن الوطن والقضية يندفع بأسلوب عذب مؤثر، يجمع إلى بلاغة الكلام دقة الأرقام والشواهد التي يستقيها من قراءاته، ومن الجلسات والمؤتمرات التي يشارك فيها. وبهذا كان – رحمه الله – مؤسسة إعلامية وطنية من طراز رائع وفريد. وأخيراً، قد تعجز الكلمات عن الوفاء، لولا أن النفس تعرف ما تجده تجاه أبي سمير، وتطمئن إلى صدقه، وسلام عليه في الذاهبين.


مـقـدمـة

إذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام

                                                            (المتنبي)

تواصل الجمعية العلمية الفلسطينية إصدار الموسوعة التربوية، وتتقدم من قرائها بهذا الكتاب عن سيرة رجل اتصف بنفس عظيمة كبيرة، فعاش ما عاش مشتغلا بهموم الوطن... وما أكثرها – ذلكم هو حكمة المصري. وعندما بدأنا بإعداد هذا الكتاب، لم نجد كثيراً يسعفنا في تدوين سيرته، ذلك أنه – رحمه الله – لم يكن يسجل مذكراته، وربما كان لكثرة أشغاله وتنوع نشاطاته دور في صرف اهتمامه عن التسجيل، مطمئناً إلى أن أعماله كفيلة بأن تخط سيرته، فطلبناها من مظانها، ومنها استقينا مادتنا، وهي غزيرة تشهد بعطائه الجم في مختلف ميادين الحياة من سياسية واجتماعية واقتصادية وتربوية وغيرها. ومع ذلك، فنحن على يقين من أن جهود حكمة وعطاءه كانا أكبر مما تمكنَا من الوصول إليه، ولو أتيح له أن يرصد جميع منجزاته لوصل إلينا من الأخبار كثير، لا سيما أن العمر امتد به نحوا من قرن، فشهد تطورات القضية الفلسطينية، وتطور النجاح من مدرسة إلى كبرى الجامعات الفلسطينية، وعاصر العهد الهاشمي، واتصل بالملك عبد الله بن الحسين في الأربعينات، ولما انضمت الضفة الغربية في أعقاب مؤتمر أريحا إلى المملكة الأردنية الهاشمية لعب – رحمه الله – دورا بارزا في الحلبة السياسية الأردنية لاسيما بعد أن انتخب عضوا في مجلس النواب عن نابلس وما والاها، ورئيسا لمجلس النواب الذي شهد نقل السلطات الدستورية للملك حسين سنة 1952م، فظل حكمة يخدم القضية الوطنية على جانبي النهر إلى أن توفي. وعاصر منظمة التحرير الفلسطينية من لدن تشكليلها في 28 ايار /مايو 1964م، بل كان نائبا لرئيس المجلس الوطني الفلسطيني الأول الذي عقد أولى جلساته في بيت المقدس سنة 1965م، وأسهم في صنع منجزاتها، وحافظ على علاقات حكيمة مع القيادتين الأردنية والفلسطينية في الأوقات التي شهدت توترا في العلاقات مابينهما، فكان له من اسمه نصيب وافر وحظ كبير. واتصل حكمة بحكم موقعه – ليس في نابلس وما والاها وحسب، ولكن في الأردن وفلسطين – بقادة الدول العربية، وكيف لايكون ذلك شأنه وهو عروبي الهوى قومي النزعة، وحدوي التطلع، وقد عادت اتصالاته بالنفع العميم على كثير من الناس لا سيما الطلبة، ففتح أمامهم أبواباً كانت مغلقة، وزاد فأرسى في نابلس دعائم صرح علمي رائد، ذلكم هو جامعة النجاح والفلاح.... جامعة النجاح الوطنية. وقد أجمع مؤبّنوه وجل من اتصلنا بهم ممن عرفوه عن كثب على نعي القومية بفقده؛ ذلك لشدة ماكان تمسكه بها، وحرصه عليها. وتجاوز نشاط حكمة حدود الوطن العربي إلى المحافل الدولية، والدول الأجنبية، وكان على علاقة حسنة بكل من عرفه، وارتد ذلك كله بالنفع على مواطنيه، وربما كان نشاطه بعد أن تقدمت به السن أكثر من نشاطه في شبابه، لقد كان نشاطه المبكر محفوزا بما هو شأن الشباب، فشارك في صنع الأحداث في الثلاثينات، ومابعدها، وكان نشاطه المتأخر محفوفا بحكمة الشيوخ، رحمه الله، فقد أجهد نفسه، ومات وفي نفسه مافيها من الحسرة على واقع الأمة وما آلت إليه القضية الفلسطينية. وبعد، فهذا عمل لا يفي الراحل حقه، ولكن نرجو به أن نقدم بعض حقه علينا، فقد اكتفينا فيه بما ظفرنا به من علامات ومعلومات تركها حكمة على قارعة الطريق التي امتد به السير عليها من عام 1907 م وحتى 1994م. ورحم الله أبا سمير. أ.د يحيى جبر


عائلة المصري يوحي التحليل الصرفي لكلمة " المصري" ودلالتها اللغوية بأن هذه العائلة النابلسية العريقة تعود بنسبها إلى أرض الكنانة " مصر ". غير أن الحقيقة أن قدومها كان من مدينة درعة السورية، ولا أحد يعرف متى قدمت إلى نابلس بالتحديد، وجدير بالذكر أن فلسطين شهدت انتقال أسر كثيرة إليها في أحقاب مختلفة من التاريخ لا سيما في عهد صلاح الدين والظاهر بيبرس الذي أقطع كبار قادته أملاكا واسعة في فلسطين، وأيام محمد علي باشا في العصر الحديث. ولا نجد ذكراً واسعا للعائلة قبل طاهر درويش أبي حكمة، الذي كان له الفضل الأكبر في تسليط الأضواء على العائلة بعد ان ازدهرت أوضاعها الاقتصادية. نشأته: وًلِد حكمة بن طاهر بن درويش المصري في مدينة نابلس سنة 1907 لأسرة ثرية، والتحق بمدارسها حتى تخرج في مدرسة النجاح (الجامعة اليوم) سنة 1924م، وما لبث والده حتى أرسله إلى الجامعة الأمريكية في بيروت لدراسة العلوم الاقتصادية والتجارية، وتخرج فيها سنة 1929م، وكان من زملائه على مقاعد الدرس سليمان النابلسي.

تزوج حكمة يوم زلزال نابلس 11/7/1927م من السيدة وداد أحمد الشكعة، وقد رصد ابراهيم طوقان جانبا من أحداث زفافه ليلة الزلزال (ملحق 4) بقوله: فالتحفنا السماء بعد ستور وشفوف مذالة وحجال وليالي الأعراس يالهف قلبي عطلتها تقلبات الليالي

وجدير بالذكر أن حفل الزفاف ذلك لم يكن لحكمة وحده، بل كان لإخوته وأبناء عمه، وكانت تلك من عادة الناس، وبعضهم عليها لم يزل، إذ يزفون غير رجل في ليلة واحدة، سواء أكانوا من الأشقاء أم من ذوي القربي والأصدقاء.

وقد أنجب حكمة ستة من البنين، وهم كل من سمير، عضو المجلس الوطني ورجل الأعمال المعروف، وبهيج مدير شؤون الموظفين والمساهمين في شركة الزيوت النباتية بنابلس، وهاني؛ وهو رجل أعمال يقيم في الولايات المتحدة، وسامي، وهو مساعد مدير بنك القاهرة عمان بعمان، وصلاح _ رحمه الله _ عضو المجلس الوطني ورجل أعمال، ونائب رئيس مجلس أمناء جامعة النجاح الوطنية ثم رئيسه من بعد، والمهندس المرحوم فواز.

وقد أنجب ستا من البنات هن السيدة جنان، حرم الدكتور هاني عون نزيل القاهرة، وجهان، أرملة الشهيد فريد غنام، وتعمل رئيسة للجمعية الخيرية الثقافية بنابلس، والسيدة نهاية، حرم الدكتور فؤاد الطاهر، وقد كانت تعمل محاضرة في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة النجاح، وفاطمة زوجة المرحوم الدكتور فائق المصري، وهيا زوجة الدكتور جمال ناصر، وحنان حرم السيد ولهان المصري وهي صحفية تعمل في عمان. وكان لحكمة دور بارز في المجالات الاجتماعية والسياسية المختلفة، وسنوضح ذلك في موضعه لاحقا، فلم تفته مناسبة للمشاركة في تلك النشاطات، وكثيرا ما كان والده يصطحبه في المناسبات العامة والمحافل الجامعة، ومن ذلك ما ورد في ديوان فلسطينيات لوديع البستاني (ط بيروت 1946م ص 289،288) من خبر الاحتفال الذي أقيم في مدرسة النجاح سنة 1943م بمناسبة مرور خمسة وعشرين عاما على تأسيسها، إذ ثارت حمّية الحاج طاهر المصري، فأوعز إلى نجله السيد حكمة، فاعتلى المنصة، وأعلن التبرع بخمسمائة جنيه في سبيل إنشاء بناء جديد لهذا المعهد الزاهر, فدوّى المكان بتصفيق الاستحسان، وإذا بتبرع آخر بمئتين، فآخر بمائة، وهلم جرا، فارتجل المؤلف – وديع: للطاهر المصري در الكلام ما قاله حكمة مسك الختام جاد الفتى والجود من طبعه فسار في الموكب جيش الكرام فأعلن طاهر عن تقديم مئة دينار لكل من البيتين، وانهالت التبرعات بالخمسين وراء الخمسين، فجاء البيت: بشرى " النجاح" وعاش العلم والأدب قامت بناياتها، والله، يا عرب وما زاد السيل الا اندفاقا بالعشرين وما فوقها، وذلك كله في مدى ربع ساعة أو نحوها، وعلى المنصة كاتبان يقيدان، فجاء البيت: أرض العروبة هزتها حميتها أم السماء وفيها يهطل المطر وجمع القلم، فبلغ المجموع خمسة آلاف جنيه، وانتقل المدعوون إلى أكواب الشاي والكل مسرور، لأن جمع التبرعات كان عفو الخاطر، واستمرت بضعة أيام فبلغت رقما كافيا لإنشاء البناء، وبعدها كتب مدير المعهد، السيد قدري طوقان، يشكر لصاحب الكلمة (حكمة) كلمته، ويُعلمه أن الإخوان قد أحصوا فوجدوا أن قيمة القصيدة وذيولها بلغت 3200 جنيه فلسطيني، وكان سر الابتهاج عند القائمين بأمر المعهد، وعند المتبرعين، أن هذه الأريحية العربية جاءت بنت ساعتها، فما كان المقصود بدعوة المدعوين تكليفهم ما تطوعوا له. ومن ذلك أنه – رحمه الله – مثل وجهاء مدينة نابلس في عدد من المناسبات الوطنية والمحلية والعربية، فقد كان في استقبال الزعيم الهندي شوكة علي عند زيارته لمدينة نابلس سنة م1931، إذ ألقى خطبة بالمناسبة رحب به فيها. وكان عضوا في لجنة تأبين الزعيم السوري إبراهيم هنانو، وفي الوفد المنتدب عن مدينة نابلس للمشاركة في تشييع جثمان الشهيد الشيخ عز الدين القسام سنة 1935م.

وشارك في تأبين المرحوم عادل زعيتر سنة 1957م إذ قدِم في وفد كبير من الأردن، وكان عضواً في لجنة التأبين، ومن كلامه يؤبنه " خسر الوطن العربي بوفاة عادل زعيتر وطنياً كبيراً، ومجاهداً فذاً، ومحامياً مثالياً، وعالماً قدم لبلاده أضخم تراث علمي يخلده أبد الدهر " (ذكرى عادل زعيتر ص 102، 109، 198).

وفي أعقاب النكسة عام 1967م، بادر مع عدد من أعيان مدينة نابلس إلى تشكيل لجنة لمساعدة المواطنين على الصمود والتشبث بالأرض، وذلك بتوفير المتطلبات الحياتية، والعمل على حل كثير من المشكلات الناجمة عن الاحتلال. وقد تقلَب حكمة في عدد من المناصب، وشغل كثيراً من الوظائف، فقد أسهم في تأسيس جمعية الشبان المسلمين في مدينة نابلس سنة 1928م ونجح في جولة الانتخابات الثالثة مع كل رائد أبوغزالة وقدري طوقان وإبراهيم طوقان وجمال القاسم ومصباح كنعان ومحمد صلاح وماجد القطب (الحوت 862). وفي عام 1931 عقد مؤتمر التسليح بنابلس في 31/7 وشارك فيه مع حكمة كل من محمد عزة دروزة والدكتور صدقي ملحس وأكرم زعيتر وعبد الحميد السائح ومحمد علي دروزة وقدري طوقان وطاهر المصري وواصف كمال وأحمد الشكعة وحلمي الفتياني وعادل كنعان وعبد الرحيم النابلسي وجمال القاسم والدكتور قلسم ملحس (الحوت 874). وفي عام 1935م، في ذكرى وعد بلفور، عقد في نابلس مؤتمر كبير بتحضير من لجنة كان حكمة واحدا من أعضائها مع كل من واصف كمال، وصدقي ملحس، وممدوح السخن وراشد أبو غزالة وعبد الرحيم محمود وقدري طوقان وعبد الكريم شاهين وعادل تفاحة وعادل التميمي وخليل الخماش وشافع سعد الدين وأكرم زعيتر (الحوت 315). وقد تمخَض ذلك الاجتماع عن قرار الإضراب استنكارا لوعد بلفور وما نجم عنه. وفي 19/4/1936م تشكلت اللجنة القومية الأولى في فلسطين من كل من حكمة المصري وعبد اللطيف صلاح وأكرم زعيتر وفريد العنبتاوي وأحمد الشكعة وواصف كمال (الدفاع 28/1/1355هـ- 20/4/1936م والحوت 334, 749) وأوردت جريدة الدفاع بيان اللجنة حول أحداث يافا، أوضحت فيه الهدف الذي تشكلت من أجله وهو: تأمين تنظيم الحركة الوطنية فيها، واستمرارها يضمن تحقيق الأماني تحقيقا فعليا لا يتجلى إلا في ايقاف الهجرة الصهيونية إيقافا فورياً. وقد قررت اللجنة دعوة المدن الفلسطينية الأخرى لتأليف لجان قومية ممثلة بجميع هيئاتها، تأخذ على عاتقها تأمين استمرار الحركة الوطنية فيها.. كما تضمن دعوة للإضراب الشامل الدائم.. واحتدمت البلاد بروح التمرد والثورة، فلم يمض يومان حتى عقد اجتماع حاشد في مدينة نابلس ضم آلافا من الجماهير الغاضبة في الجامع الكبير ومن حوله، وراح حكمة يتلو بيان اللجنة القومية على الناس، وما أن أنهى كلمته حتى خرج هو وعبد اللطيف صلاح وأكرم زعيتر وبقية أعضاء اللجنة يتقدمون الجماهير في مظاهرة حاشدة تضامنا مع يافا في الأيام الأولى من إضراب عام 1936م (الدفاع 30/المحرم 1355 ه - 22/4/1936 م).

ولم تتوقف اللجنة القومية عند حملة التوعية وبث روح الثورة في المواطنين، فوضعت برنامجا مكثفا لهذا الغرض، وخصصت أسبوعا للقرى، إذ توجه مع وفد وفد اللجنة القومية إلى قرى المشاريق (قصرى وما حولها) وذلك في اليوم الرابع من أسبوع القرى، وفي اليوم الخامس توجهوا إلى غور الفارعة حيث اجتمع المواطنون من بيتا إلى جنين. وكانت الدعوة في كل منزل أتوه تنصبَ على الوحدة الوطنية ومقاومة الاستعمار والهجرة اليهودية. (الدفاع 13 صفر 1355 ه - 15/5/1936م).

وشارك حكمة مع زملائه أعضاء وفد نابلس في مؤتمر اللجان القومية الذي عقد في القدس يوم 7/5/1936م لتدارس أوضاع البلاد في الإضراب الشامل، ومانجم عنه (الحوت 888).

وفي 29 صفر 1355 ه 20/5/1936 م ألقيت في مدينة نابلس أربع قنابل، فلم تحرك اللجنة اللجنة العليا ساكنا إزاء ذلك، مما أثار غضب أعضاء اللجنة القومية، فأبرق حكمة المصري ورفاقه من شباب نابلس المثقف إلى اللجنة العليا يلومونها على تقصيرها إزاء ما جرى. وجدير بالذكر أن القاء القنابل وإطلاق الرصاص كان قد بدأ في نابلس اعتبارا من 6 / ربيع الأول 1355 ه - 17/5/1936 م (الدفاع).

وكان الفلسطينيون ينطلقون في نشاطاتهم الثورية من كونهم جزءا من سورية الكبرى، وتتضح هذه الحقيقة في موافق كثيرة فمن ذلك ما نشرته جريدة الجامعة الاسلامية في 27 شوال 1354 ه الموافق 22/1/1936م من خبر تضمن برقية أبرقها السادة الوطنيون إلى سورية نصها: "سورية الجنوبية تعتز بقوة كفاحكم، وتعلن تضامنها في قراع الاستعماريين ونضال الظالمين... " وقد وقعها كل من حكمة المصري وعبد الرحيم محمود ووديع تلحوق وأكرم زعيتر والدكتور فريد زين الدين وواصف كمال وممدوح السخن والدكتور صدقي ملحس.

وقد أسهمت هذه الأحداث في صقل شخصية حكمة المصري، وتحديد ملامحها وأكسبتها حسا قوميا ووطنيا مميزا مما هيأه للأدوار التي لعبها في الحلبة السياسية على المستويين الوطني والقومي من بعد. أجل، لقد كان حكمة ما يزال يومها شابا قلما ظفر من هو في سنه بمثل ما ظفر به.

ويستمر الإضراب، وتتصاعد الفعاليات المناهضة للإنجليز والصهاينة، وقد نظمت اللجنة القومية مهرجانا بمناسبة مرور مئة يوم على الإضراب العام، وقد تلا حكمة المصري كلمة اللجنة يوم ذاك. (الدفاع 8 جمادى الأولى 1355 ه - 27/6/1936م). وبدأ ملفه عند المحتل الإنجليزي يتعاظم، ولما كان يوم السادس عشر من جمادى الأولى سنة 1355 ه الموافق 14/8/1936م بادرت السلطات الإنجليزية إلى إبعاده هو ورفاقه الدكتور مصطفى بشناق والدكتور صدقي ملحس والشيخ راضي الحنبلي وسبع العقاد إلى صرفند بتهمة التحريض. (الدفاع 16 جمادى الأولى سنة 1355ه - 14/8/1936م). ومكث في السجن ثلاثة أشهر حتى أفرج عنه يوم 16 شعبان 1355ه الموافق 12/11/1936م. وفي عام 1947م أسهم حكمة في تأسيس اللجنة القومية العربية بنابلس، وذلك في أعقاب الاعلان عن تقسيم البلاد، كما شارك في اللجان الفرعية الرافدة لهذه اللجنة، كلجنة الأمن والإصلاح ولجنة الاقتصاد والتموين وهيئة المكتب. وفي أعقاب النكبة عام 1948م أسهم حكمة في تأسيس اللجنة العامة للعناية بشؤون النازحين وتوفير المتطلبات الحياتية لهم، وقد كلف بصياغة دستورها. وفي 28/12/1948م عقد مؤتمر في المنشية بمدينة نابلس عرف من بعد باسم (مؤتمر نابلس) ، برئاسة سليمان طوقان، وسكرتارية أحمد طوقان وإدارة لجنة من كل من حكمة المصري، وعادل الشكعة وحمدي كنعان ونعيم عبد الهادي وهاشم الجيوسي وحلمي العبوشي وحافظ الحمدالله، واتخذ المؤتمر قرارا بقيام وحدة بين فلسطين بكاملها وشرق الأردن ليشكلا بلدا واحدا يكون الملك عبد الله ملكا عليها. وقام وفد من ضمنهم حكمة المصري بزيارة عمان لتقديم القرارات للملك عبد الله الذي قال: " إنه سيتم كل شيء كما تريدون ". وفي 20/4/1950م انتخب حكمة نائباً عن قضاء نابلس مع كل من قدري طوقان وعبد المجيد أبو حجلة ومصطفى بشناق، وذلك في الانتخابات التي جرت عقب مؤتمر أريحا (موسى، ص 539).

وفي الانتخابات التي جرت في 29/8/1951م نجح حكمة مجددا، وزامله في تمثيل نابلس في مجلس النواب الأردني كل من وليد الشكعة وعبد القادر الصالح وقدري طوقان. وتولى حكمة رئاسة المجلس خلفا لعبد الله الكليب اعتبارا من 1/11/1952م حتى 24/5/1953، وفي هذه الفترة كان الملك حسين بن طلال قد تسلم سلطاته ملكا للبلاد، وأقسم اليمين الدستورية أمامه بصفته رئيسا لمجلس النواب (موسى ص 560).

وقد كان ذلك في أعقاب جلسة سرية لمجلس الأمة يوم11/8/1952م للنظر في بيان رئيس الحكومة الأردنية الذي قال إن جلالة الملك طلال لم يعد قادراً على ممارسة القيام بأعباء الحكم بسبب مرضه، إذ اختيرت لجنة للنظر في الأمر من ثلاثة أعيان هم محمد الأمين الشنقيطي، وعبد الله الكليب، وسعيد علاء الدين، وستة نواب هم هزاع المجالي وأنور الخطيب وفلاح المدادحة ووصفي ميرزا وحكمة المصري ومحمد علي بدير (موسى 569). وعين حكمة المصري وزيرا للزراعة في حكومة فوزي الملقي التي قامت مابين 15/5/1953 م وحتى 2/5/1954م إذ استقالت. وفي أعقاب ذلك كان البعد القومي لدى حكمة المصري وبعض زملائه قد اتخذ منحى جديدا، فبادر مع نفر منهم إلى تأسيس الحزب الوطني الاشتراكي، وذلك في 7/6/1954م وقد ضمنت هيئة التأسيس إلى جانب رئيسه سليمان النابلسي كلا من حكمة المصري، هزاع المجالي، عبد الحليم النمر، أنور الخطيب، شفيق ارشيدات، كمال منكو، جريس الهلسة، سعيد العزة، رشاد الخطيب، وكلهم من النواب، وكان الهدف من تأسيس هذ الحزب مناوأة المد الشيوعي والبعثي. وكان الحزب يمهد للوحدة مع العراق لضم جيشها للجيش العربي في وجه القوات الإسرائيلية. وجدير بالذكر أن هذا الحزب هو الذي حجب الثقة عن وزارة توفيق أبى الهدى في 6/1954م مما أدى إلى حل البرلمان (موسى ص 600). وفي 21/10/1956م حملت الانتخابات كلاً من حكمة المصري وفائق العنبتاوي ووليد الشكعة وعبد القادر الصالح إلى مجلس النواب الذي استمر من 25/10/54 وحتى 30/9/1957م. وقد تولى حكمة المصري رئاسة هذا المجلس حتى قدم استقالته (موسى ص 406) وجدير بالذكر أن جل هذه المجالس كانت تحل حلاً لعدم التعاون مع السلطة التنفيذية. وكان حكمة وسليمان النابلسي يتصدران حركة المد القومي في الأردن آنذاك، وكان لحزبهما نشاط كبير كغيره من الأحزاب التي أخذت تتنامى بسرعة، وصار أثرها كبيراً في الحياة السياسية الأردنية، وفي هذا الصدد تقول ريموندا الطويل " وكان حكمة وسليمان النابلسي قد قادا حركة القوميين العرب... فوضع كل منهما في الإقأمة الجبرية؛ لأنهما كانا جريئين في معارضة السياسة الأردنية التي اتجهت إلى حل الأحزاب... وكان هو وسليمان النابلسي قد نالا اعجاب جيل كامل من الأردنيين والفلسطينيين. " (العودة العدد 152 كانون الثاني 1995 ص 8). وظل حكمة المصري في الإقأمة الجبرية بمنزله في مدينة نابلس حتى أواخر عام 1957م واستمر ذلك نحوا من ستة أشهر، ولم يعد للعمل في الحلبة السياسية الرسمية إلا في عام 1963م حين عّين عضوا في مجلس الأعيان الأردني وعضوا في لجنة الشؤون الخارجية واللجنة المالية، وظل فيه من 1/11 وحتى 31/10/1967م إذ أعيد تشكيله، فعّين فيه مجددا حتى 1/11/1971م ثم أقصي عنه فترة طويلة من 1971م وحتى 1984م، إذ يبدو أن قرار قمة الرباط الذي نص على أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني قد أثر على وضع العلاقات الأردنية الفلسطينية، لاسيما أن حكمة المصري كان قد عيّن عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني الأول الذي عقد في 28/5/1964م في مدينة القدس، وانتخب نائبا لرئيس هذا المجلس. وفي 11/1/1984م عيّن حكمة المصري عضوا في مجلس الأعيان الأردني من جديد، إذ انتخب نائبا للرئيس، وأعيد تعيينه فيه لمدة ثانية في 12/1/1988م، وظل فيه إلى أن أعفي من منصبه بعد فك الارتباط الاداري والقانوني بين المملكة الأردنية الهاشمية والضفة الغربية في 30/7/1988، وكان حكمة قد منح وسام الكوكب الأردني سنة 1955م وذلك تقديراً لجهوده في خدمة الوطن والمواطنين في مجالات الحياة المختلفة. وعلى الساحة الفلسطينية، فقد ظل حكمة يعمل بشكل متواصل لخدمة القضية والتخفيف من ويلات النكبة وماجرّته على الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات من المصائب. وكيف لا يكون الأمر كذلك وهو من رواد حركة المقاومة والبناء في فلسطين ابتداء من أواخر العشرينات، وهو الذي واكب تصاعد الأحداث على الساحة، وعاشها حدثا حدثا، يرى بعينه ولا يقدر أن يفعل أكثر مما فعل، في ظل ظروف دولية مسعفة للإنجليز واليهود، ومجحفة في حق العرب، وظروف عربية تتذبذب بين المواتاة السطحية في ضوء معطيات محدودة وبين التدابر والتصدع اللذين اعتريا جل المراحل التي مرت بها الأمة العربية في العقود السبعة الأخيرة.

ويمكن أن نميز في النشاط الوطني الذي مارسه حكمة المصري تجاه القضية الفلسطينية بين عدة مراحل هي: المرحلة الأولى: وتمتد من أواخر العشرينات إلى عام 1948م إذ كان يمارس نشاطه من خلال مؤسسات ولجان فلسطينية أسهم هو في تشكيلها، والتخطيط لها، كجمعية الشبان المسلمين قي نابلس سنة 1928، ومؤتمر التسليح سنة 1931م، ولجنة الإضراب في ذكرى وعد بلفور سنة 1935م، واللجنة القومية عام 1936م، واللجنة القومية العربية بنابلس سنة 1947م، ومؤتمر نابلس، واللجنة العامة للعناية بشؤون النازحين سنة 1948م، كما كان رحمه الله من أركان حزب الدفاع.

وكان نضال حكمة المصري نضالا مباشرا يتصل ببؤرة الصراع، ويصطدم بالعوائق، فقاد المظاهرات، واعتقل، ولم يكتف بالخطب والدعاية للثورة.

المرحلة الثانية: وتمتد من عام 1948م وحتى عام 1971م، ويمكن تجزئتها إلى مرحلتين انتهت أولاهما عام 1964م حين عيّن عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني، وانتخب نائباً لرئيسه إذ كان يعمل طوال هذه الفترة منطلقاً من رؤية وحدوية، لاسيما أن مؤتمر نابلس وأريحا قررا الانضمام إلى المملكة الاردنية الهاشمية، وكان نشاطه في العمل النيابي – نائبا عن منطقة نابلس، ووزيرا للزراعة، وعضوا في مجلس الأعيان سنة 1963م. وقد تخلل هذه المرحلة فترة فرضت عليه فيها الاقأمة الجبرية في أعقاب تصاعد المد الحزبي عامي 1956, 1957. وكان حكمة في هذه المرحلة يصدر عن حس قومي متأجج، ويرى في الوحدة الأردنية الفلسطينية نواة مد وحدوي يمكن أن تؤدي إلى الوحدة الشاملة. وبدأت الثانية عام 1964م وحتى عام 1971م، وفي هذه المرحلة تواصلت جهوده الحميدة التي توضح التزامه بالقضية الفلسطينية، والدفاع عنها، على نحو ماكان من أمره في المراحل السابقة, غير أنه المرة كان أشد، تقول ريموندا الطويل في أحداث عام 1970م بين الأشقاء في الأردن عندما زارته في مكتبه في أيلول عام 1970 وطلبت منه أخذ موقف هجومي من الأردن وجلالة الملك.. " فقال لي: الرجل موقف، والحياة موقف، وأنا لست ضعيفا أو جبانا، وباستطاعتي قراءة أفكارك وإلحاحك على هذا الموقف، ولكن سيكون هذا الموقف لصاحب الشأن. كان حكمة قد استنكر الموقف بشدة أمام الملك الذي غضب لصراحته.. " (العودة – العدد 152، ص 8).

وتتابع ريموندا: " وكان يستنكر بصراحة وبشدة سياسة الولايات المتحدة في " الشرق الأوسط "، قال يوما في مجال المجابهة مع القنصل الأمريكي العام في القدس " ايفان ويلسون " في منزلي في نابلس سنة 1966: " إننا نستنكر بشدة السياسة الأمريكية المنحازة لإسرائيل، فكفاكم ظلما... اتركونا وشأننا وارفعوا أيديكم عن إسرائيل وكفوا عن عدائكم للعرب، ونحن سنتدبر أمورنا مع إسرائيل، إذهبوا عن أكتافنا وأوقفوا أسحلة الدمار عن المنطقة، أمريكا هي الوجه القبيح.. أنا تلميذ الجامعة الأمريكية، لم أحلم يوما ما أن مبادىء ودستور الولايات المتحدة في الحرية والمساواة.. مبادىء حقوق الانسان، ستكون في مزبلة التاريخ من أحفاد جيفرسون وستيفنون " العودة ص 8 ". وتمضي ريموندا قائلة: " واحتدم النقاش، وكانت مفاجأة لكل الموجودين عندما احتد أبو سمير، وكان يومها نائب الشقيري ومن مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية،... حضرت نقاشات أخرى لأبي سمير بعد حرب تشرين (أكتوبر) مع القنصل الأمريكي عندما أوضح موقف العرب خصوصا قرار حظر النفط عن الولايات المتحدة، كان يتحدث حديث الند للند، وكان سياسيا ثوريا، وعندما شيدت أول مستوطنة في نابلس وهي " ألون موريه " كان في أول صف بين المتظاهرين، وقد تعرض لركل جنود جيش الدفاع والقنابل المسيلة للدموع مع عبد الرؤوف الفارس وبسام الشكعة والحاج معزوز (المصري) وشخصيات المدينة... ".

وفي عام 1972 فرضت إسرائيل الانتخابات على سكان الضفة الغربية، وكان حكمة يعارضها بشدة، فاعتقل لمدة يومين أجريت فيهما، وحيل بينه وبين الناس كيلا يؤثر فيهم. كما عارض حكمة توجه سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى استبدال القوانين الأردنية السارية في الضفة بأخرى إسرائيلية، غير أن المحتلين فرضوا واقعا جديد بالحديد والنار.

وكان حكمة قد التقى عام 1967م رئيس وزراء إسرائيل – ليفي اشكول – بناء على دعوة من الثاني، في محاولة منه لعزل عرب فلسطين عن أمتهم، ولكن حكمة رد عليه بما يخيب أمله قائلاً: " إذهب إلى الدول العربية وتفاهم معها، قضيتنا هي قضية عربية.. نحن لسنا أيتاماً.. نحن جزء من العالم العربي، ولن تستطيعوا وضعنا في قفص، فاليوم ليس هو الأمس، عندما أتيتم بالفلسطينيين إلى جنيف سنة 1949م وقلتم لهم " لن نتعامل معكم لأنكم لا شيء... نريد التعامل مع الدول العربية " (العودة – ص 9).

وفي هذا الاقتباس حقيقتان كبيرتان: إحداهما ماكان يتمتع به حكمة من بعد نظر وحنكة سياسية، كشف بهما عن تقلب الموقف الإسرائيلي، فالشعب الفلسطيني عام 1949م " لا شيء " أما عقب عام 1967م فهو " بيت القصيد " وما ذلك إلا لأنهم اطبقوا على الأرض والشعب، يريدون عزله عن أمته والانفراد به تمهيدا لتذويبه وربطه بعجلة الكيان الصهيوني كعرب مااحتل من فلسطين عام 1948 – الذي غدا يعرف باسم إسرائيل.

والحقيقة الثانية أن سياسة الجسور المفتوحة بين الضفة والقطاع من ناحية وبين الدول العربية، على الرغم من مخاطرها التي تمثلت في جعل إسرائيل وظروف الاحتلال اموراً قابلة للتعايش معها، الا أنها أمكنت من استمرار التواصل الاجتماعي والقومي بين الفلسطينيين وأمتهم، وصانتهم من مرض العزلة الذي ترك آثاراً سلبية كبيرة بالتجربة المحسوسة على عرب 1948، والامران متساويان في اهميتهما، اعني خطر سياسة الجسور المفتوحة وماينجم عنها من منفعة لإسرائيل، وما ينجم عنها من التواصل الحضاري بين الفلسطينيين وأمتهم، هذا التواصل الذي يبدو انه استخدم من بعد لتوصيل إسرائيل إلى " المضافة العربية " دون ان يأخذ العرب بثاراتهم منها، ودون ان تؤدي ماعليها من ديات على الاقل.

وكان المرحوم حكمة يحاول أن ينجو بالشعب في الضفة العربية من الوصاية الإسرائيلية، ويخشى أن تحكم إسرائيل قبضتها على مقدرات الحياة الاجتماعية فتحدث بذلك تحولاً كبيراً وتطويعاً يؤديان إلى الدمج التدريجي في الكيان الإسرائيلي على نحو ما نعرفه من اهلنا في ما احتل من الوطن سنة 1948م.

وفي اعقاب اللقاء مع اشكول خرج حكمة غاضباً، وبادر إلى الاتصال فورا بالرئيس جمال عبد الناصر، وكان محبباً اليه، وقال للرئيس عبد الناصر: " القضية الفلسطينية هي امانة بين ايديكم " وابلغ الملك حسين والملك فيصل وكل رؤساء الدول العربية بالحديث الذي جرى بينه وبين اشكول.

المرحلة الثالثة: وتبدأ من عام 1971م وحتى عام 1984. وفي هذه المرحلة كان قرار القمة العربية أن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، ولم تعد له نشاطات سياسية رسمية في الاردن، وازدادت نشاطاته على الصعيد الفلسطيني، ولم تعد له نشاطات سياسية رسمية في الاردن، وازدادت نشاطاته على الصعيد الفلسطيني لكن في مجالي الاقتصاد والتربية اضافه إلى دوره التاريخيء بصفته وجها دوليا لا ياتحث باسم نابلس ومحافظتها وحسب ولكن باسم الفلسطينيين جميعا.

وكان أبو سمير يذهب إلى " ابو عمار " في بيروت، ويمكث أياما في فندق الكمودور، ويقابل عرفات الذي كان يكن له الاحترام والتقدير بصفته من مؤسسة منظمة التحرير، كما كان أبو سمير يجتمع مع بعض كبار القياديين في منظمة التحريررغم أن البعض من الفئات الاخرى كانت تعتبره مقربا على الأردن _ العودة 154، ص 8، 9).

المرحلة الرابعة: وتمتد مابين عام 1984م إلى حين وفاته عام 1994م. وفي هذه المرحلة عُيّن مجدداً في مجلس الأعيان الاردني، وازداد التقارب الاردني الفلسطيني على الصعيد الرسمي، وبدأت ارهاصات " السلام " تلوح في الافاق ولم تخل المرحلة من شد وارخاء، وكان حكمة المصري كاسمه صاحب حكمة، لم ينكص، ولم يتوقف عن القيام بكل مافيه خدمة للشعب والقضية، تاركا للساسة بحارهم يخموضونفيها وفقاً لما يرونه، حتى كان قرار الملك حسين بفك الارتباط القاهنوني والاداري سنة 1988، عندها أًسقِط في يد حكمة، وفي أيدي غيره، ممن كانوا يريدون تحريو فلسطين والمحافظة على الوحدة مع الأردن نواة لوحدة اندماجية عربية شاملة. غير أن حكمة - على الرغم من تقدمه في السن، ظل يعطي بسخاء، ولا انسى ماكان من لقائه 1987م بأعضاء هيئة التدريس من جامعة النجاح الذين لم يكونوا " مواطنين من وجهة النظر اليهودية " إذ بذل قصارى جهده لتجديد اقاماتهم – وكنت واحداً منهم – ولكن لسان حاله كان يقول: العين بصيرة واليد قصيرة... ولو أني ألححت عليهم ليعطوكم التأشيرة المطلوبة لطلبوا مني تنازلاً عن ماهو أكبر، واحتفظ بكبريائه وأنفته، ولم يلحّ وأخرجنا من ديارنا إلى حين. لم اكن أعرفه جيداً، ماكنت أدري أن الوجوم الذي كان يظلل محياه والهم العريض الذي كان يصوغ تقاسيم وجهه هما اللذان أسعفا شيخوخته في التعجيل بأجله، لقد واكب الحزن الفلسطيني من مبتداه إلى منتهاه.... ومات غير راض لو كان ذلك ينفع.

وفاته:

توفي حكمة المصري في الثالث عشر من كانون الثاني عام 1994م عن سبعة وتمانين عاماً، وقد نعاه رئيس دولة فلسطين والبلاط الهاشمي، واقيم حفل كبير في جامعة النجاح لتأبينه يوم الأربعين، شارك فيه خلق كثير من فلسطين والأردن علاوة على عدد كبير من السفراء والدبلوماسيين المعتمدين في القدس، ونذكر من المشاركين في الحفل من خارج المدينة: الطيب عبد الرحيم ممثلاً لرئيس السلطة الوطنية الفلسطينية. الدكتور صائب عريقات وزير الحكم المحلي في السلطة الوطنية. سير حباشنة، عضو مجلس النواب الاردني، وزير الثقافة. سليم الزعنون، رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، وكالة. محمد بسيوني، سفير جمهورية مصر العربية. وممن تحدثوا يومذاك عن خصال المصري وانجازاته المختلفة: عبد الغني العنبتاوي رئيس مجلس امناء جامعة النجاح الوطنية. الدكتور منذر صلاح، رئيس الجامعة. معإذ النابلسي، رئيس الغرفة التجارية بنابلس. غسان الشكعة، رئيس لجنة بلدية نابلس. الشيخ عزام العكر نيابة عن لجنة المؤسسات والفعاليات الوطنية والاسلامية بنابلس.

نشاطه السياسي جاء في كلمة رئيس جامعة النجاح يوم تأبينه: " رحل حكمة المصري (العم أبو سمير كما كان يحلو لنا جميعا أن ندعوه) عن عمر يقارب التسعين من عاما بعطاء مميز في مجالات متعددة ومتكاملة، تمثل أهم مقومات بناء الأمة: الاقتصاد، السياسة، والتعليم، وقد بّين المتحدثون الكرام مآثر فقيدنا الراحل في هذه المجالات، وتميزه بين أقرانه من جيل البناة الأوائل والرواد في مختلف مجالات الحياة من خلال عضويته في اللجان القومية والوطنية المختلفة منذ نهاية العشرينات من هذا القرن وممارسته الحياة السياسية منذ بداية الخمسينات ". أجل لقد نشأ حكمة المصري في فترة كان الفكر العروبي هو المسيطر فيها والآخذ في التنامي، فقد تبين لنا مما تقدم أن الراحل كان يتأسى هو وزملاؤه في نضالهم بأشقائهم في سورية الشمالية، على اعتبار أن فلسطين تمثل سورية الجنوبية. " ولم يكن الانتماء لديه خاضعاً للتجزئة أو المساومة، بل كانت نظرته الوطنية نظرة قومية شاملة، إذ تخطّى حدود فلسطين الوطن، إلى دول الوطن الكبير، واستطاع بتميزه وبقوة شخصيته، ونفاذ بصيرته، أن ينفذ إلى الكثيرين من القادة العرب، لطرح هموم ومشاكل أخوانه وأهله في فلسطين، الأمر الذي أثر إيجابا في خلق الكثير من البصمات المتميزة في تاريخ ومجريات أحداث القضية الفلسطينية وتفاعلاتها ". (من كلمة الطيب عبد الرحيم في تأبينه) وفي عام 1948م مرت القضية الفلسطينية بمنعطف حاد في أعقاب النكبة، وكان السياسيون الفلسطينيون على اختلاف أهوائهم في سباق مع الزمن، ولعل أكثرهم وعيا بما كان يدور، وأشدهم تحسسا للخطر الداهم هم أولئك النفر الذين اجتمعوا في منزل المرحوم عادل زعيتر في 5/11/1948م لاعداد وثيقة حول القضية ورفعها إلى الدول العربية، وهم إلى جانب زعيتر: حكمة المصري، وفريد عنبتاوي، وسليمان طوقان، وهاشم الجيوسي، وعبد الحميد السائح، والدكتور مصطفى بشناق، وفائق عنبتاوي، وحلمي العبوشي، وفضل الطاهر. (كتاب تأبين عادل زعيتر ص 236) وقد تناولت الوثيقة أحوال البلاد في أعقاب النكبة والهدنة، والمخاطر التي تتهدد الناس لاسيما بعد تكدس اللاجئين هنا وهناك في ظروف عصبية. وفي 22/5/1949م صدرت الصحف الفلسطينية وفي صفحتها الأولى مذكرة تاريخية خطيرة، كان قد أعدها المرحوم عادل زعيتر ووقع عليها كل من حكمة المصري، وسلمان طوقان، وفريد عنبتاوي، وأحمد الشكعة، وهاشم الجيوسي، وفائق عنبتاوي، وحلمي العبوشي, وهي تتعلق بالمثلث. وقد رفع القوم المذكرة إلى جلالة الملك عبد الله بن الحسين وجاء في آخرها:" وعرب فلسطين إذ يرون مانزل بهم من النوائب الأخيرة على الخصوص قد كان بسبب ماوقع من مفاوضات الهدنة المذكورة على انفراد، فانهم يطالبون بأن تدخل الدول العربية في مفاوضاتها بشأن بلادهم مجتمعة، كما أنهم يطالبون بأن يرجع إليهم بما يتم الاتفاق عليه وفق مالهم من حقوق. فنلتمس منكم ياصاحب الجلالة أن تنظروا إلى ماعرضناه آنفا بعين الاعتبار، وأن تأمروا بتلافي مافات بما عرف عن جلالتكم من حكمة وبصر بالأمور ". (المصدر السابق نفسه ص 243) وفي أعقاب انضمام الضفة الغربية للملكة الأردنية الهاشمية، وانتخاب حكمة نائبا عن محافظة نابلس لم يتوقف عن نصرة القضية الفلسطينية، فها هو في 2/11/1952م يوم كان رئيسا لمجلس النواب، يبدي أسفه تجاه خطاب العرش إذ لم يتضمن اشارة لقضية اللاجئين، كما عارض الحكومة بقوله: " ان المجلس.. مجلس النواب.. لا يقر الحكومة بأن القضية الفلسطينية هي (شغل العرب الشاغل....) من ناحية عملية، ويعلن مع الألم أن الدول العربية قد أهملت معالجة هذه القضية معالجة جدية، فلم تتقدم أي تقدم إيجابي ملموس في سبيل حلها وتخفيف الويلات التي نتجت عنها ". انظر رد مجلس النواب على خطاب العرش. (انظر الملحق الأول)

ونتيجة لكفاح حكمة المتواصل فقد تولدت لديه شخصية متميزة في مجالي الاقتصاد والسياسة، ليس على الصعيد الوطني الفلسطيني وحسب، ولكن على الصعيدين القومي والدولي، " فقد استطاع – رحمه الله – كسب احترام كثير من الزعماء والمسؤولين من مختلف الدول العربية، مما أتاح له طرح موضوعات ومشاكل الشعب الفلسطيني أثناء مقابلته واجتماعه بهم مما أثرى تاريخ القضية الفلسطينية، وحقق طموحات الشعب الفلسطيني. لقد كانت لحكمة علاقات طيبة مع جميع الرؤساء في مصر نظرا لمكانته المرموقة في فلسطين والأردن "، وقد ساعدت هذه العلاقة الطيبة على فتح أبواب الجامعات المصرية أمام الطلبة الفلسطيني. (من كلمة سفير مصر في حفل التأبين) وكان صديقاً حميماً للرئيس جمال عبد الناصر.. رحمه الله.. ولكن عندما أعلن الرئيس عبد الناصر أنه لا توجد لديه خطة لتحرير فلسطين.. كان أول المتجاوبين مع المرحوم الأستاذ أحمد الشقيري.. وفي مشروع انشاء الكيان الفلسطيني المتمثل في منظمة التحرير الفلسطينية.. وكان عضوا في أول مجلس وطني فلسطيني بل نائبا لرئيسه وساعد على صياغة الميثاق الوطني (القومي الفلسطيني) ذلك المجلس الذي افتتحه ورعاه جلالة الملك حسين. (من كلمة سليم الزعنون)

وبعد احتلال ماتبقى من فلسطين عام 1967 م، عارض حكمة المصري وجيله سياسة اغلاق الجسور التي كان يتبناها موشيه دايان لعزل أهلها عن أمتهم تمهيداً لتطويعهم ودمجهم في المجتمع الإسرائيلي, وكان من مأثور قولهم: " الجيتو.. عرب إسرائيل أخرجناهم من الجيتو ولاقوا الأمل برؤيانا، فكيف ستكونون مقيدين بسياسة دايان وإغلاق الجسور ". (العودة العدد 154 ص 8)

واكتسب حكمة جراء مشاركته في الاحداث السياسية والاجتماعية مدة طويلة – اكتسب حكمة وحكنة سياسية بالغة، فلم تكن مواقفه لتتغير بسرعة، ولم تكن أحكامه لتأتي انفعالاً أو ردود أفعال سريعة، فها هي ريموندا الطويل تقر انها كانت تحاول حمله على اتخاذ موقف عدائي من النظام الاردني في اعقاب فتنة عام 1970م بين الأشقاء (احداث أيلول الأسود) ولكنه لم يفعل لحكمة كان يراها، وهي ان معاداة الاردن تعني نجاح مشروع دايان بغلق الجسور وعزل الفلسطينيين عن الأمة العربية، مما سيؤول آخر الأمر إلى سلخهم عن أمتهم، تقول عنه وعن جيله:
"وكانت نظرتهم إلى السياسة الاردنية / الفلسطينية، والفلسطينية المصرية حكيمة، أذكر جيداً هذا الموقف عندما طلبنا منه أن يهاجم الاردن، ويشجب احداث أيلول، قال: لي رأي سأذكره للملك شخصيا عندما أذهب إلى عمان... لا نستطيع إلا أن نكون حكماء، وكل هذه السياسة تؤدي إلى ابعاد الشعب الفلسطيني عن العالم العربي.. لا نستطيع أن نغلق الجسور ونصبح مثل عرب 48.
(العودة عدد 154 ص 8) 

حتى عندما ظهر خلاف بين الاردنيين والفلسطينين في الأعوام الأخيرة حول مستقبل القدس، فقد كان دائما حريصاً على هذه العلاقات الأخوية المميزة، وكان – رحمه الله – دائماً يؤكد على حتمية التفاهم مع أبناء الشعب الواحد في فلسطين والأردن. (النهار 16/12/1994 ص 7) لقد ناضل حكمة المصري من أجل صمود أبناء الشعب الفلسطيني على أرضهم في أعقاب عام 1967, ولم يضعف ولم يهن، بل اشتدت عزيمته، وبقي في الصف الأول في الدفاع عن الوطن وبناء الصناعة وصروح العلم لتمكين المواطنين من أسباب الاستقرار.

أجل لقد ظل على هذه الحال إلى أن استبد به الوهن عام 1994م مفسحاً المجال لرحيله، مخلفاً وراءه ذكراً عريضاً وذكريات امتدت قرناً من الزمان تقريباً، تحكى كلها قصة الحكمة والعطاء.

وظل حكمة المصري حريصاً على الوحدة بين الشعبين الأردني والفلسطيني، ولعل خير مايوضح ذلك هو كلمته التي القاها في مجلس الاعيان غداة قرار تجميد العلاقة الأردنية الفلسطينية عام 1986م، هذه الكلمة التي تنم عن حسرة بالغة وحكمة أبلغ، إذ تفيض مفرداتها بالأحاسيس العميقة، والاماني المحاصرة بالمخاوف، قال حكمة المصري: " أقف أمامكم وما زال صدى صوت المناطق المحتلة الحزين والمتألم ينتقل من زاوية إلى اخرى في كافة انحاء جسدي, ذلك الحزن الذي يزداد عمقا مع اشراقة كل صباح، ومع كل خطوة يخطوها مستوطن دخيل في غزة والخليل وبيت لحم واريحا ونابلس والقدس. جئتكم اليوم لا لأقول ان الاردن يشكل أهم الابعاد القومية والاقليمية للقضية الفلسطينية، فكلنا يدرك ذلك، ونعلم ايضاً ان التنسيق والتعاون بين الاردن ومنظمة التحرير الفلسطينية يتبع أولا وأساسا من واقع التردي والمعاناة والغربة التي نعيش في المناطق المحتلة. وجاءت اتفاقية 11 شباط سنة 1985م لتؤكد على بعد النظر وواقعية الطرح وصدق التعامل والاخلاص تجاه الوطن من قبل الشعب الاردني والشعب الفلسطيني. من كل ذلك، كان من الطبيعي ان تلتئم جهود القيادتين الاردنية والفلسطينية، وجئنا من المناطق المحتلة وفودا وجماعات لدفع عجلة التقارب إلى الأمام، وحددنا هدفنا بضرورة التوصل إلى اتفاقية بين القيادتين، ومن ثم توسيع ذلك عربيا، واكدنا على ضرورة الاسراع في العمل، وعلى كافة الأصعدة للتصدي الهادفة إلى ابتلاع الأرض، واقتلاع الانسان الفلسطيني منها، ومن أجل حل القضية، وصبرنا وترقبنا إلى أن كانت اشراقة شمس الحادي عشر من شباط، فكانت الفرحة العظيمة التي نبعت من ادراكنا ان الهم واحد، وان النصر واحد، وان التلاجم بين القيادتين الشعبيتين هو النصر الحقيقي الذي اقلق مضاجع صانعي القرار في إسرائيل. وبعد توقيع الاتفاق بدأت رحلة الكفاح الحقيقية للقيادتين الاردنية – والفلسطينية، وكانت العراقيل كبيرة وكثيرة منذ البداية، خاصة وبعد أن أخفق الاخوة العرب في اعطاء الاتفاق اسناداً فعالاً، مما عنى أن جلالة الملك الحسين والأخ ياسر عرفات أدركا منذ البداية حجم المسؤولية التي ألقيت على عاتقهما، وخرجت الوفود المشتركة تطوف عواصم العالم التي لستعدت وقبلت استقبالهما. ومن شأن ايقاف التنسيق والمفاوضات بين الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية اعادتنا إلى الوراء، ووضع سفينتنا تحت رحمة العواصف والرياح المجهولة، وهذا مانريد ان نتفاداه، فطريقنا صعب وطويل، ونحن على ثقة تأمة بان جلالة الملك الحسين والاخ ياسر عرفات لن يسمحا بتحطيم السفينة وغرق من فيها. من هنا فانني من واقع المعاناة والمأساة والغربة التي نعيش تحت الاحتلال، أتوجه إلى صاحب الجلالة، والذي عودنا على بعد نظره الثاقب، وصبره الحكيم، وآرائه السديدة بأن يكمل المشوار مع اخوته في منظمة التحرير الفلسطينية مهما كانت الاسباب والدوافع التي جمدت المسيرة إذ كان جلالة الملك يرى ذلك ممكناً، وعلى اساس اتفاقية عمان. وفق الله جلالة الملك، وسدد خطاه في جهوده الحديثة الهادفة لانقاذ الأهل وانقاذ الأرض". وهذا هو ماعبر عنه سلطان الحطاب في زاويته من جريدة الرأي " بصراحة " إذ قال تحت عنوان " رثاء المصري اكبر من المناسبة ": " لم أره في حياتي منفعلاً كما رأيته يوم صدور قرار فك الارتباط عام 1988م بين الضفتين، وكان يتحدث بحضور مجموعة من الساسة والمهتمين، وقد خرج عن طوره وهدوئه، وقال: اننا نظلم أنفسنا ونتنكر لكل مابيننا ان نحن قبلنا أو لو حتى سكتنا، وجسد هذا الانفعال في ما قاله في مجلس الاعيان ". (انظر مقالة الحطّاب في الملاحق وتعقيبنا عليها) وكان دور حكمة المصري في توجيه السياسة الفلسطينية فعالاً، وكذلك كانت مشاركته في صنع أحداثها، وكان يتصف في كل مواقفه بالشجاعة والحكمة، بالجرأة والحنكة، تقول ريموندا الطويل (العودة 125 ص 9): (كان حكمة المصري يحسب له حساب، لأن الجرأة في مواقفه نابعة عن توجهات فكرية تتجاوز أحكام السياسات المحلية والمرحلية، لتؤكد قناعات مبدئية بنظرية قومية مستقبلية وكثيراً ماكان حكمة يوبخنا لعدم استعدادنا لأن نرى الأمور بمنظار وبعد عربي وقومي، وكان يقول: ستضيع فلسطين إذا لم نأخذ هذا البعد القومي، ونصبح مثل الأكراد أقلية. وكان في هيئة الأمم وفي المنابر الدولية يطالب الولايات المتحدة بان لا تتبنى موقفاً مؤيداً لإسرائيل لكسب اللوبي الصهيوني، وكان يطلب من العرب دائماً مجابهة اللوبي الصهيوني) ، نعم هكذا كان... لو لم تجر الرياح بما لاتهوى سفنه وسفن الأمة. واحتفظ حكمة بعلاقات حميمة مع ياسر عرفات، وكان يزوره في بيروت من حين لآخر، يتبادلان الرأي في الأوضاع التي آلت اليها القضية الفلسطينية، إذ كان يرى فيه قائداً مخلصا موفقا، يحسن التقدير، ويتعامل مع الأحداث بحكمة وبعد نظر، وكان عرفات يحترمه ويدرك بعد نظره إلى الأمور، ومقدرته على مواجهة المتغيرات، ومن ذلك مايتضح فيه تعقيبه على التصريحات التي أدلى بها شمعون بيرس رئيس وزراء إسرائيل 1985 م قائلا ً: إن من يطلب الدخول في مفاوضات دون شروط مسبقة لا يضع شروطه، ففي الوقت الذي يدعو فيه بير س إلى اجراء مفاوضات دون شروط مسبقة يضع شرطين إسرائيليين للدخول في المفاوضات: أولهما استناء منظمة التحريرالفلسطينية، وثانيهما: رفض فكرة المؤتمر الدولي للسلام. وأضاف المصري: كذلك فان بيرس يطلب اجراء المفاوضات مع الاطراف المعنية بالسلام، وليس مع الاطراف المعنية باستمرار الخلاف، وهو يقصد بلا شك منظمة التحرير الفلسطينية التي يعتبرها أبناء الشعب الفلسطيني ممثلهم الشرعي الوحيد، ونستغرب كيف يقدم بيرس على قول ماقاله. فالجهات التي تسعى إلى السلام وافقت على دخول المفاوضات ضمن إطار المؤتمر الدولي للسلام، وكانت احدى الجهات منظمة التحرير الفلسطينية، فعلى أي حال فان هؤلاء الذين لايرغبون بالسلام لن يدخلوا المفاوضات، ولن يوافقوا عليها أساساً. وقال المصري: انني استغرب ماورد من تصريحات لبيرس حول مشاركة فلسطينيين من الاراضي المحتلة يحظون بموافقة كافة الاطراف، حيث إن هذا الاقتراح يثير العجب، فهل يجب أن يوافق المتفاوضون على اعضاء وفد كل واحد منهما ؟ وبالتالي هل يجب أن توافق إسرائيل على اعضاء الوفد الفلسطيني ؟ علما أن الطرف العربي لا يطلب لائحة باسماء الإسرائيلين المزمع مشاركتهم في المفاوصات بغرض التدقيق في هوياتهم، ومن ناحية ثانية من هم هؤلاء الفلسطينيون الذين توافق عليهم كافة الأطراف وبنفس الوقت لايكونون ممن يعتبرون منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، فلقد أعلن العديد من الفلسطينيين، وعلى تباين وجهات نظرهم، عن استعدادهم للمشاركة إذا مااختارتهم منظمة التحرير لهذه المهمة. لذلك فان ماجاء من مقترحات على لسان بيرس من شأنه وضع عراقيل اضافية لعملية دفع السلام في المنطقة، ويجب على صانعي السياسة الإسرائيلية ان يدركوا أن عليهم، إذا هم اختاروا أن يعيشوا بسلام، أن يحترموا أبناء الشعب الفلسطيني.


نشاطه الاجتماعي والثقافي مارس حكمة المصري النشاط الاجتماعي والثقافي منذ وقت مبكر، وكما سبق أن ذكرت، فقد كان والده يصطحبه في زياراته واجتماعاته، مما اكسبه روحاً اجتماعية خاصة، فقد أسهم في تأسيس جمعية الشبان المسلمين سنة 1928 م في مدينة نابلس، " ومثلما كان وطنياً صلباً، وصاحب رأي شجاع، كان ذا قلب كبير، وحس مرهف ازاء ابناء شعبه في كل الميادين، فلم يترك مؤسسة اجتماعية او جمعية انسانية الا ساهم في دعمها، وبذل كل مايستطيع لكي تستمر في عطائها، وتوجهاتها نحو ترسيخ مبدأ الصمود والتجذر في ارض الوطن، وضمان الحياة الأفضل للأهل فيها ومحاولة التخفيف من معاناتهم وآلامهم التي افرزتها ظروف الاحتلال ". (من كلمة الطيب عبد الرحيم في تأبينه) وفي عام 1947م لعب المصري دوراً بارزاً في تأسيس منظمة الشباب العربي في منطقة نابلس وقضائها، وهي المنظمة التي أسست لتوحيد صفوف العرب عن طريق ايجاد مؤسسات رياضية واجتماعية ولتنظيم نشاطها، وقد تولى رئاسة هذه المنظمة بضع سنوات، واستطاع حكمة المصري: أن ينسج علاقات حميمة مع الرئيس جمال عبد الناصر، نظراً لمكانته المرموقة في الأردن وفلسطين وكثير من الأقطار العربية، فحقق بذلك طموحات ابناء الشعب الفلسطيني في تهيئة فرص التعليم، حيث وفر لهم مقاعد دراسية في جامعات مصر. وفي عهد السادات، رفضت مصر استقبال الطلاب الفلسطينيين، وأغلقت أمامهم الابواب كرد على موقف منظمة التحرير التي كانت تهاجم السادات، متهمة اياه بالخيانة، ولكنها عادت فسمحت للألوف من الطلاب نتيجة لموقف " ابو سمير " بالالتحاق بجامعتها. (عن ريموندا الطويل في العودة ص 8) أجل، لقد ساعدت علاقاته مع زعماء مصر على فتح ابواب الجامعات المصرية أمام الطلبة الفلسطينيين، والتي تخرج منها الآلاف مما أدى إلى توفير الكوادر الفلسطينية في شتى المجالات. (من كلمة سفير مصر في تل أبيب في حفل التأبين) وقد زرعت دراسته في مدرسة النجاح في قلبه ونفسه انتماء متميزاً لهذه المؤسسة حيث أصبح عضواً في هيئة عمدة كلية النجاح الوطنية في 6/11/1959م، وتحمل مسؤولياته، واستمر في نظرته المتميزة لإعلاء شأن مؤسسة النجاح، مما جعل زملاءه يقلدونه رئاسة الهيئة، وزملاؤه آنذاك هم: ابراهيم صنوبر (العدد 9 من الموسوعة التربوية) وأحمد السروري وجودة تفاحة وعبد الغني عنبتاوي ومدحت كنعان وموسى الجيوسي وفدوى طوقان ويسرة صلاح ورشيد مرعي وهاني عرفات وشوكة الكيلاني، فأصبح العمدة المنتدب بتاريخ 16/7/1972م حيث خطا الخطوة تلو الخطوة، واضعا الهدف نصب عينيه أن تكون هذه المؤسسة في تقدم مستمر ونمو متواصل، فعمل على توسيع عضوية العمدة بضم ثمانية من رجالات المدينة اليه بتاريخ 18/1/1976م، وواكب المسيرة مع زملائه إلى أن تحولت كلية النجاح الوطنية إلى جامعة تمنح درجة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه. في 10/11/1977م تم تغيير تسمية هيئة العمدة بمجلس الامناء حين اختاره أعضاء المجلس رئيساً، فكان الربان الذي قاد السفينة لتصبح جامعة النجاح الوطنية وهي تعد الآن أكبر المؤسسات التعليمية في فلسطين، إذ تحتضن بين أسوارها نحوا من ثلاثين كلية، وأكثر من عشرين ألف من الطلبة الفلسطينيين. (بتصرف من كتاب التأبين، وتحديث) وقد تعرضت مسيرة الجامعة إلى مضايقات الإسرائيليين، ذلك بما كانت بؤرة للثورة ومقاومة الاحتلال، فمن اغلاق إلى تطويق وحاجز إلى ابعاد، وحكمة يتحمل الاعباء دون كلل، لم يستكن لتقدم السن به، وظل يتابع مسيرتها بيقظة وحزم واصرار، ويلاحق أمورها في المحافل الدولية حتى غدا اسمها علماً على رأسه نار، فقد حرص حكمة على تأمين الجامعة بما يكفل استمرار دورها في رفد المجتمع بالكفاءات، والابقاء على الشباب منزرعين في ارض الوطن، فعمل على جمع الاموال اللازمة لذلك، وتأمين المساعدات من الأقطار العربية والمؤسسات الدولية، " فقد كان يذهب بنفسه ليطلب من الرؤساء والملوك العرب دعما لجامعة النجاح... ، ذهب باسمه الشخصي، ولكن بصفته أحد أبرز الشخصيات الفلسطينية والصديق الشخصي لياسر عرفات ". (العودة 154 ص 8) (انه أب هذ الجامعة، وبانيها، ومؤسسها الذي ستبقى النجاح مرتبطةً باسمه، وبسيرته التي لا يمكن ان تعبر بحور النسيان، كان حبه لأبنائه – طلبة الجامعة – نابعاً من القلب، يسعى دائماً لتقاربهم مهما اختلفت ميولهم، ويحثهم على بناء وطنهم وجامعتهم، داعياً اياهم إلى روح الوحدة والتسامح والتماسك داخل الجسم الطلابي الواحد، فبادلوه المحبة والمودة والتقدير، فكان الأب الحنون على الابناء، جاداً في بناء جامعتهم لتوفير أفضل الامكانات لهم، وكان كذلك لرئاسة الجامعة وعمدائها وأساتذتها والعاملين فيها دون تمييز). (من كلمة عبد الغني العنبتاوي رئيس مجلس الأمناء) "وتقديراً لأعمال الفقيد الكبير معالي الأستاذ حكمة المصري في مجالات التربية والتعليم والعمل القومي والاجتماعي، وعرفانا بدوره التاريخي في مسيرة جامعة النجاح الوطنية وتطويرها على مدى ستين عاماً ونصف، وعلى دوره في رفعة الاقتصاد الوطني وخدمة أمته في المجال السياسي، قرر مجلس الأمناء وفق المادة (11- و– أ) من النظام الأساسي للجامعة منح المرحوم معالي الأستاذ حكمة المصري درجة الدكتوراه الفخرية في الافتصاد). (من كلمة رئيس الجامعة)

نشاطه الاقتصادي لعائلة المصري نشاط اقتصادي مبكر، وقد عمل حكمة على تطويره، ونقله نقلة نوعية بحيث أصبح ذلك النشاط عريضاً يطال نفعه أرجاء الوطن، وذا بعد استراتيجي يجسد طرفاً من البنية التحتية للاقتصاد الوطني، فقد أسهم " بشكلٍ فعالٍ في ترسيخ وتأسيس القواعد الصلبة للاقتصاد الوطني، فقد أسهم " بشكل فعالٍ في ترسيخ وتأسيس القواعد الصلبة للاقتصاد الوطني الفلسطيني، وذلك من خلال نشاطاته ومساهماته، وتوليه لمسؤوليات كثير من المؤسسات، والمعالم الاقتصادية التي لا تزال حتى الآن تثري اقتصادنا، وتوفر الالاف من فرص العمل لأبناء هذا البلد ". وقد عمل حكمة بعد تخرجه عام 1929م موظفا لمدة عامين في بنك بركيليس في مدينة حيفا، ثم انتقل إلى يافا ليعمل مديرا لشركة الدقيق مما كان له دور بارز في انشاء مطحنة الدقيق الكبرى في نابلس في الأربعينات، وذلك للاستغناء عن مطاحن اليهود، وعمل حكمة على استمرار انتاج مصنع الصابون النابلسي (النعامة) بقدرة انتاجية عالية. وقد برزت حنكته في ادارته لشركة الزيوت النباتية التي تأسست سنة 1954م والتي غدت من بعد من أبرز المعالم الاقتصادية في الوطن، وكان حكمة عضوا ًفي مجلس ادارتها، ومديرا لها حتى آخر أيام عمره، وقد أنشأت هذه الشركة مصنعاً آخر للزيوت النباتية في عمان في أواخر الثمانينات، أضف إلى ذلك اسهاماته الأساسية في انشاء شركة مطاحن الدقيق التي تأسست سنة 1963م، ومصنع الكبريت (3 نجمات) بنابلس الذي تأسس سنة 1935م بنابلس. وجدير بالذكر أنه قلما نجد مصنعا أو شركة كبرى أو بنكا في الضفتين الشرقية والغربية لم يسهم أبو سمير في انشائها والمشاركة فيها وعضوية مجلس ادارتها.

حكمة أباً توجهنا للسيدة نهاية حكمة لتكتب لنا نبذة عن حكمة الأب، فأبدت شعوراً باستثقال المهمة يتنازعها في ذلك أمران: حبها لأبيها، وخوفها إن هي عبرت عن مكنونها أن لا تفيه حقه، أو أن يقال غالت. ثم زودتنا بما نضعه بين يديك عزيزنا القارئ، وفيه من صدق العاطفة والإنصاف مايشهد به كل من عرفه، رحمه الله. " من الصعب أن أعبر عن مشاعري وأحاسيسي نحو والدي الذي أحببناه كل الحب، وعشنا معه أيام العمر حلوها ومرها، وسكنّا في وجدانه، وترعرعنا في حضن قلبه، فكان لنا الأب والمعلم، وكنا له قرة العين وسكن الفؤاد. أجد كل الكلمات عاجزة عن وصف ما أحس به وأنا أكتب عنه بصيغة كان، وهو صاحب الحضور المتميز في حياتي وحياة أسرتي، ومحبيه ومجتمعه. فالحديث عن حكمة المصري لا يقف عند مجرد علاقة عائلية تعكس البعد العاطفي التقليدي للعلاقة الانسانية القائمة بيننا، وإنما تتجاوز ذلك إلى علاقات متداخلة، تعكس أبعاد شخصيته المتميزة التي فرضت على علاقاتنا العائلية خطاً متميزاً ومتداخلاً. لقد أحال والدي بيتنا العائلي إلى مؤسسة كبيرة يقف على رأسها أب صاحب رسالة خالدة وأهداف نبيلة، أحب الوطن، فغرسه في قلوبنا شجرة زيتون دائمة الخضرة، وأحب الناس، فعلمنا أسلوب التعامل معهم، وأحب العطاء، فعلمنا معنى البذل والسخاء. وهذا البيت الذي عشت فيه مع والدي سنين طويلة، كل شيء فيه يحكي قصة، ويسجل فصلاً من فصول نضاله. كل شيء فيه لا يزال ينبض بحسه ومشاعره، ويشهد له بصدق الانتماء. فهذه شجرة البرتقال الملاصقة لباب منزلنا كم كان والدي يداعب حباتها الذهبية عندما يعود اليها بعد رحلاته المكوكية خارج الوطن وقد امتلأ حنيناً، ويقول فرحاً بعودته: ما أجمل ان يعود الانسان إلى وطنه ! فهذه الارض وهذا الهواء ليس لهما في الدنيا مثيل. لقد عشنا معه أجواء الحوار والدمقراطية، فقد كان صاحب قلب كبير وعقل مرن، كان بعيداً عن التعصب والأحقاد، حاور أبناءه فأشاع في البيت جواً من الانفتاح، وحاور أعدائه فكسب احترامهم. كان يؤمن بالحوار السياسي منهجاً من أجل الوصول إلى أهدافنا في الاستقلال والحرية، وكانت المعادلة أمامه صعبة، فالعدو يحتل الأرض ويحاول اقتلاع الانسان الفلسطيني من جذوره، وفوق هذا فهو يملك كل أسلحة القمع والقهر، ونحن شعبنا لا يملك الا قوة الحق وقوة العزيمة.. ومع هذا فبالحوار السياسي الحكيم وقوة العزيمة استطاع والدي أن يدافع عن الحقوق الفلسطينية، وأن يكسب كثيراً من اعدائه من أجل بناء السلام في أرض السلام. كان والدي يدرك أن المحتل يستطيع أن يصرع برصاص بندقيته جسداً، وأن يدمر بأسلحته منزلا، وأن يبعد عن الأرض مواطنا، وأن يضع في المعتقل مناضلاً، يستطيع أيضاً أن يصادر بقرار غاشم كتابا وأرضاً، وأن يقتلع من الأرض شجراً، ولكنه لن يستطيع أن يغتال ضمير أمة وإرادة شعب، وبهذه العقيدة، ومن أجل الانسان الفلسطيني وتحريره، جند والدي كل طاقاته الفكرية والجسدية من أجل بناء مؤسسات الوطن الاقتصادية والسياسية والتعليمية. وكان اهتمامه بالطلبة والتعليم قد بدأ من مرحلة مبكرة من حياته. فقد استطاع من خلال علاقاته المميزة مع القيادة المصرية أن يحقق قبول عدد كبير من الطلبة الفلسطينيين في الجامعات المصرية. لن أنسى والدي وهو يعود من القاهرة متهللا حاملا بيده قائمة بأسماء الطلبة المقبولين، يزف لهم بشرى قبولهم. وكانت تلك القوائم تجسد تفكيره الوحدوي، فلا فرق بين فقير وموسر، ومابين طلاب من جنين وطولكرم وطلاب من نابلس. كان يشركنا معه كل عام في هذه الفرحة – فرحة العطاء والمحبة -. أما جامعة النجاح، هذا الصرح العلمي العملاق، الذي يقف شامخا بين جبلي الشموخ، عيبال وجرزيم، فقد حملها والدي وهي في المهد فكرة، ثم أصبحت حقيقة. كان، لفرط حبه لهذه المؤسسة، يعتبرها الابن الثالث عشر من أبنائه. لقد شكلت الجامعة في طور تأسيسها منعطفا هاما في حياة والدي وحياتنا، فكانت موضوع الحديث اليومي، ومحور عمله طيلة سنوات عدة، خاض من أجلها صراعا مريراً ولحظات قلق وانتظار. كانت همومها تلاحقه في كل مكان يرتحل اليه أو يحل فيه، فهذا يسأل عن وظيفة، وذلك يطلب مقعداً، وفوق هذا وذاك الحاكم العسكري يتصل به مهددا ومتوعدا باغلاق الجامعة، وفرض أقصى العقوبات، وهو يقابل ذلك كله بابتسامة عريضة واثقة أن الجامعة ستقف أمام كل التيارات العاتية التي تهب في الاتجاهات المعاكسة، وانها ستشكل حجر الزاوية في بناء الدولة الفلسطينية التي كان يرى معالمها مع كل حجر يوضع في بناء هذه المؤسسة. لقد كان والدي رجل الكلمة الجريئة والموقف الانساني الملتزم، فنال احترام الجميع. وكانت تقف إلى جانبه في معركة الحياة ورحلتها الصخرية زوجة صالحة تشد من أزره، تشاركه معنا أفراحه وأحزانه، وتنشر في البيت محبة لكل من يأوي اليه، فلا أحد من أصدقاء المرحوم لا يعرف أم سمير أو طبق الكنافة الذي كانت تعده فينسى والدي اعتداله الذي اشتهر به، وكان لها الدور المكمل لدوره خاصة في دعمها المتواصل للمؤسسات والجمعيات الخيرية.. وبالرغم من قلقنا عليه لشدة أعبائه فقد أدركنا جميعا قدسية الرسالة التي كان يحملها على عاتقه. واستشهد شقيقه ظافر، ثم فلذة كبده فواز.. وماتت أم سمير، فاعتصر الحزن قلبه الكبير، ولكنه ظل واقفاً مؤمنا بإرادة الله وقدره، لم ينحن أمام الحزن، ولم يضعف أمام الشدائد، وظلت الشمعة تضيء، الا أن النور الذي كان يشع منها، ظل يخفت شيئا فشيئا إلى أن انطفأ. وبموته، أظلمت الدنيا في عيون كانت تنظر إلى ضوء وهاج وسراج منير. ولكن مع الظلام الذي أحاط بنا أضاءت أعمالك ياوالدي درب حياتنا، فبدأنا نشعر بالدفء والحياة من جديد. سنسير مع كل محبيك على الدرب الذي سرت فيه، نحمل رايته حينا، وراية الوطن حينا آخر، حتى تتواصل الرحلة، وتكتمل المسيرة – مسيرة بناء الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف "



قالوا فيه "ان الأمم والشعوب أخذت العادة لتكريم وتقدير أصحاب الخدمات الجليلة والعطاء المتميز... الذين غادروا إلى الرفيق الأعلى.. وساهموا وشاركوا في رحلة العمرببناء وتطوير بلدانهم ومجتمعاتهم لتكون عالية شامخة في حقول المفاهيم السياسية والاقتصادية والعلمية والانشائية في مختلف مناحي الحياة.. وفقيدنا أبو سمير من أبرز هؤلاء الرجال القادة. كان جاداً كل الجد في محاولاته لتفهم حاجة الأجيال وحقيقة المشاعر داخل صراعات الحياة، فجاء جهده مميزاً بالانصاف، حيث مراجعة الذات التي هي أساس العمل المشترك والهدف الواحد في معارك التجذير والبناء. أيها الأهل الأعزاء كانت دعوته صادقة أمينة إلى كل من أراد البناء والارتقاء في التكوين المجتمعي الفلسطيني والعربي، حتى تقال الكلمة في موقعها المناسب والعبارة في نصابها الصحيح، فلا تخرج عن مسارها ولا تحيد، حتى تكون الجهود موحدة، بعيدة كل البعد عن التوجهات والرغبات التي تخدم المصالح الخاصة، بل أرادها، رحمه الله، توجهات لخدمة المصالح العامة لكافة أبناء الوطن، فتجلى ذلك من خلال قيادة هيئة العمدة، ومجلس أمناء مدرسة وجامعة النجاح الوطنية.. بل القيادة في كثير من أعمال الريادة في السياسة والاقتصاد والتربية والعلم والمؤسسية الوطنية لتشكل عودة إلى منهج الأجداد الحضاري، حين ساروا في ركب التغييروالتطوير, فحققوا التفوق في معسكرات الصراح الفكري والحضاري. الأعزاء الحضور، مهما قلت في سيرة المرحوم حكمة المصري فلا أوفيه حقه، لقد عرفته ورافقته سنوات عديدة من خلال مسيرة هذه المؤسسة.. فكان العظيم كالمحيط الهادىء يعطي بثبات. ما أحب الشهرة، لأنها خطر على سيادة العقل.. فكان دربه يقول: دع الشهرة للآخرين، واذهب أنت بما أعطيت، فيبقى العمل الوفي النابع من خلاصة انسانية الانسان ومحبة الأخيار، محبة الطير لحريته والأسد لمنيع غابه. ان أمثاله نادر في هذه الأيام. فكان ذا قسمات متميزة، يستمر في التحدي رغم الصعاب، فكان الشاهد والدليل على الأصالة والعطاء لصلاحية المسيرة الدائمة والمتجددة، فكان حرصه رقيقا وعنيفا، رقيقا مع أصحاب الضمير، وعنيفا مع من ينفرون من صحبة الضمير، مثله في ذلك حكمة الشاعر: أعز مكانٍ في الدنى سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب (من كلمة عبد الغني عنبتاوي / رئيس مجلس الأمناء من بعد يؤبنه)

نص كلمة معالي السيد سمير حباشنة، وزير الثقافة الأردني /عضو مجلس النواب في تأبينه:

آل المصري الكرام، أهالي الأبية نابلس، يا أبناء فلسطين البواسل، أيها الحفل الكريم:

أسعد الله أوقاتكم جميعا، وجمعنا واياكم في المستقبل القريب، وقد حقق الشعب العربي الفلسطيني حريته المنشودة، انه سميع مجيب. بداية، اسمحوا لي أن أنقل اليكم تحيات وتعازي أهلكم واخوانكم، بخطبكم الجلل، ومصابكم ومصابنا الأليم، برحيل الوطني والقومي البارز فقيد فلسطين والأردن والأمة العربية حكمة المصري... ولأقول بالرغم من أنه لم يتح لي، ولا لأبناء جيلي، أن نتعرف على أبي سمير عن قرب، إلا أننا قد عرفناه من خلال سيرته العطرة وسلوكه الأمثل، ووطنيته الصادقة، وانتمائه العروبي.. من خلال فعله المشهود في العمل العام، ومن خلال كل من عرفه وزامله، وناضل معه من أبناء جيله، ذلك الجيل الذي نعتز به، ونسترشد بخطاه، وننهل من معين تجربته وزخم أدائه.. وبعد.. فان الذكرى المحتفى به، وفعله المشرف طوال حياته السياسية، وانتمائه إلى ثلة الوحدويين المعاصرين، هي ذكرى تفتح الجروح، وتجعلنا نقف مواجهة أمام الواقع الذي نعيش ونصوغ لنقارن هذا الواقع مع ماورثنا اياه جيل حكمة المصري. ذلك، وبرغم ما أتيح لجيلنا من فرص أكبر لنتزود بالمعرفة وبالعلم والاطلاع بل بالمشاهدة الحية لما تصنع الشعوب والأمم، حتى تلك التي كانت وراءنا في التصنيف الحضاري، فاننا لم نتمكن حتى هذه اللحظة أن نطاول فعل وأداء جيل الراحل الكبير بل اننا بوعي أو بجهل فانما نوظف مااكتسبنا من معرفة من أجل هدم ما بدأه الرواد الأوائل، وترانا ننساق لتأخير عجلة التاريخ التي لن تتحرك نحو الأمام، وبها كل هذه العصي التي تعيق حركتها، وتجعلها أقرب إلى صورة ساكن لا يقوى على الحركة، ولا تسعفه أبدا انطلاقة لسانه وحديثه عن الحرية والتوق نحو التقدم، ولا تسعفه أحلامه الوردية التي يعتمر بها صدره. وحتى لا يكون الحديث محض افتراض، فدعونا نحاول اسقاطه على الواقع، واقع الحالة الأردنية / الفلسطينية، وما صنع الراحل وجيله، وما قمنا به حتى هذه اللحظة نحوها. فالأردنيون والفلسطينيون أبناء مشروع واحد، ليس هو المشروع القومي الوحدوي النهضوي الذي يقوم على الوحدة لكل الأمة، والحرية لكل الشعب العربي، والتحرير للأرض العربية فحسب، بل انه المشروع الوطني الواحد، انه حلم الذات الواحدة، غير القابل للانفصام، انه الهم الواحد غيرالقابل للنسيان، بل انه التطلع الواحد غير القابل للتحقق، إذا ما تشظى على مذبح السياسة، كما هي الحالة التي نعيشها اليوم. يحدد الفكر العربي المعاصر والنشيط والتقدمي مكانة فلسطين في المشروع العربي باعتبارها القضية المركزية للأمة، وهي الشق الرئيس في جدلية الوحدة والتقدم، وهي الشرط الرئيسي. كذلك، الذي لابد من حسمه إلى جهة مصلحة الأمة حتى يتاح لها أن تتواصل مع المشروع الحضاري العربي بلحظاته التاريخية المشرقة، وبالتالي أن تأخذ دورها الهام والأصيل في الحضارة الانسانية. وهذا تحليل صحيح تثبت الأيام والمراحل المتعاقبة منذ أن كانت فلسطين قضية في مفهوم السياسة والتاريخ، ولكن هل هذا الفهم يتسع ليستوعب الحالة الأردنية تجاه فلسطين؟ الواقع، لا، ففلسطين بالنسبة للأردن، أكبر من كونها قضية العرب المركزية، انها قضية وطنية داخلية، مثلها مثل الخبز والرفاه والديمقراطية وبناء دولة القانون والمؤسسات. انها القضية التي تتشرب بها كافة مساحات جوانب الحياة الوطنية الأردنية، انها القضية التي تبرز كأساس لفعلنا، سواء كان هذا الفعل في الاقتصاد أو المجتمع أو السياسة أو الفكر، ويذكر أخي دولة أبو نشأة (طاهر نشأة المصري) اننا في لجنة الميثاق الوطني الأردني التي شكلها جلالة الملك لوضع مقدمات الحياة الديمقراطية الأردنية، اننا في تلك اللجنة لم نتمكن من أن نضع حرفاً واحداً ذا جدوى قبل أن نتمكن من الاتفاق على فهم مشترك للعلاقة الأردنية الفلسطينية، وتحديد مكانة فلسطين في التفكير الوطني الأردني، واننا لم نكن لنتوصل إلى الميثاق، تلك الوثيقة التقدمية، لو لم نتمكن من صياغة فهم تقدمي وعروبي ووطني متماسك تجاه هذه العلاقة، ونحو هذه القضية. فالأردن لا يستطيع أن يفكر في همه الداخلي دون أن تمثل فلسطين كعامل رئيسي يرتبط عضويا بهذا الهم، وهي العامل الذي لا نقوى موضوعيا ووجدانيا أن نتجرد منه، وبالتالي لا نستطيع أن نستكمل مشروعنا الوطني دون أن يترافق ذلك باستكمال المشروع الفلسطيني... وأعتقد بل أجزم أن الحالة تبادلية تماماً، والوجد الذي نعيش هناك شرق الأردن، هو ذات الوجد القائم غرب النهر، حتى لو استبعدنا العواطف فان الواقع المادي يتدخل ليؤكد هذه الحقيقة.

ان هذه الحالة المتداخلة عضويا، لا تحل بمزيد من الفصل، ولا بمزيد من المكابرة، ولا بمزيد من اختراع المصطلحات السياسية الرنانة، هذه الحالة لا يمكن حلها وفق الانسجام العلمي مع الواقع ومعطياته، الا من خلال اجتراح النموذج الوطني الخاص في الحالة الفريدة المعاصرة التي ربطت الأردن بفلسطين، ذلك الربط العضوي غير القابل للانفصام، الذي يعيشه كل فرد منا، وكل نقابة لدينا، وكل تيار سياسي أو فكري بيننا... انها الحالة الواحدة التي لابد، بداية، من الاقرار بوجودها، حتى نتمكن من أن نأخذ الخطوة الأولى الصحيحة، وفي الاتجاه الصحيح

واخال أن جيل حكمة المصري المحتفى به اليوم، قد استكشف جوهر هذه الحقيقة، وتعامل معها بالواقعية التاريخية المطلوبة، فحمل على أكتافه مهمة تحقيق الوحدة الأردنية الفلسطينية أولا، كشرط سابق لإحراز النصر، وأعتقد أنه جيل عمل أكثر مما تحدث، وغاص في الواقع واستكشف مضمونه، فأقدم بإرادة وطنية وقومية نزيهة نحو الخطوة الأولى التي توصل إلى الهدف. ولم يتوقف ذلك الجيل عند كل الفواصل التي نراها اليوم وقد كبرت حتى أصبحت نقاطا فاصلة بيننا وبين الحقيقة التي ينطق بها الواقع ويرددا كل لحظة. الا أننا نغلق آذاننا ولا نرغب بعمل اختراق تاريخي مماثل لذلك الاختراق الذي صنعه حكمة المصري وجيله، الذين شيدوا الوحدة الأردنية الفلسطينية العضوية فكانوا رجالا استثنائيين في حقبة استثنائية، كادت أن تصل إلى الذروة، وتحقيق المشروع، فقد اقتربوا كثيرا، وبالمقابل ابتعدنا كثيراً عن ذلك المشروع. لقد قدموا لنا وللأمة المشروع الوحدوي الوحدوي الناجح مقارنة بكل المشاريع لي لفها النسيان وما عادت الا في دفاتر التاريخ. ان على جيلنا، ومن باب النقد الذاتي، وباعتباره المفردة الأولى التي تسبق الفعل الصحيح، وباعتباره أداة التقييم التي تمنع الكم من أن يتراكم على مداميك ضعيفة آيلة للانهيار، أقول ان جيلنا قد قال أكثر مما فعل وغرق في التفصيلات، بل صنعها، نظر للوحدة ومارس التجزئة، بل جعل من الخطوط الوهمية التي صنعها الاستعمار حدودا تحول بين العربي وبين أن يمارس حقه الطبيعي في التنقل في أرجاء وطنه، فأصبح السفر إلى أي بلد أجنبي أسهل مئات المرات من الحجيج إلى مكة، وهي الحالة ذاتها التي قطّعت الأرحام، وجعلت المسافة بين بغداد ودمشق أبعد مئات المرات من الصعود إلى القمر، بل هي الحالة ذاتها التي تلقي بوزنها الثقيل السلبي على المشروع الفلسطيني الأردني، وتحول بينه وبين التوحد والاندماج وفق نموذج يضمن التكافؤ والعدالة لأبناء الشعب الواحد ولشخصيتيه الوطنية.

أيها الحفل الكريم، لقد ورثنا عن جيل حكمة المصري وحدة شامخة لم تؤثر بها عوامل التعرية العربية، والانكفاء العربي وتضخم الأنا الوطنية على حسب الهوية القومية. وظلت عملاقة تعيش بيننا، فاختلط الدم بكل أشكاله، ذلك الذي لا زال يسري بالعروق، أو ذلك الذي انفسخ على ربا فلسطين شهيداً من أجل اعلاء كلمة الحق العربي لتحرير فلسطين. فهل نقبل التحدي، أيتها الأخوات وأيها الأخوة، وهل يسعفنا الوعي ونتدارك السير وراء الوهم، ونقفز فوق الفواصل المفتعلة، ونلغي الاستثناء ليحل محله الطبيعي المنسجم مع التاريخ والجغرافية ووحدة المجتمع، ونعيد للجسم الواحد وحدته ونخلصه من انفكاكه المصطنع ؟. وهل سنتمكن من أن نواصل مسيرة الراحل وجيله ونبدأ من نقطة الوحدة، ولا نعود إلى الصفر لنبدأ عدا عكسيا سالبا يزيد الأمور سوءا على سوء ؟. هل نطلق العنان إلى الفكر ليعكس الواقع بحرية وبابداع يواكب الطموح ؟ أم سنبقى في خانة المتلقي المستسلم لما يحاول الآخرون أن يصيغوه لنا ؟ أسئلة يفرضها الواقع وتفرضها التطورات السياسية الأخيرة، وتفرضها الاصطفافات غير الموضوعية التي تحاول شدنا إلى المزيد من التباعد والفرقة. أسئلة يجاب عليها فقط، حين نعلي البناء الذي بدأه جيل الآباء، لنكون، وبحق، ورثة حقيقين لفعلهم، ومعبرين حقيقيين عن شعبنا وتطلعاته. أيها الحفل الكريم: رحم الله أبا سمير، وعوضنا بأمثاله من الرجال يمدون المسيرة بالجهد الخيّر وصولا إلى أهدافنا الواحدة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته". (سمير حباشنة) "فسلام عليك أبا سمير، سلام عليك في يوم ذكراك العطرة، في هذه الأيام العصبية التي نحن بحاجة فيها إلى أمثالك. سلام عليك وأنت ترفع راية الوحدة العربية في زمن القطرية. سلام عليك وأنت تبذل بسخاء لدعم نضال شعبك، وتوظيف علاقاتك الدولية لخدمة أهدافه. سلام عليك وأنت تيمم شطر مصر عبد الناصر، لفتح أبواب جامعات أرض الكنانة أمام الطلبة الفلسطينيين المعسرين ليعودوا رجالا عاملين في خدمة أمتهم. سلام عليك وأنت ترعى وليدك الأغر، جامعة النجاح الوطنية تباهي بها جامعات العالم صرحا أكاديميا شامخا في فضاء هذا الوطن. سلام عليك وأنت تدعم اقتصاد بلدك، وتسهم في تنمية موارده وايجاد فرص العمل لأبنائه. سلام عليك نبعا متدفقا ثرّ العطاء، صادق الرجولة، متحملا المسؤولية. أجل سلام عليك في الأولين والآخرين. جزاك الله خير الجزاء وأحسن مثواك. (من كلمة معإذ ماجد النابلسي / رئيس غرفة تجارة وصناعة نابلس)

"وحبه لمعهد النجاح هو حب مميز، فقد أعطاه الكثير من وقته وعمله، ووفر له الدعم اللازم. واستطاع أن ينهض به، ويطوره ليواكب غيره من المؤسسات العلمية الناهضة في عالمنا العربي، ولتصبح جامعة النجاح الوطنية ذلك الصرح الشامخ الذي نعتز به. ومن منا لا يذكر كيف استطاع وبمكانته المرموقة بين زعماء العرب أن يهيء فرص التعلم لمئات الطلبة في الجامعات المصرية. وبعد أيها الأخوة والأخوات، كان – طيب الله ثراه – يتحلى بصفات حميدة، ومكارم السمات، وجليل الموقف... رجلاً أمينا صدوقا، عف اللسان وصادق الايمان، استطاع بعمله أن يكتب لنفسه.. الحياة الباقية، وأن يترك بصماته الخالدة واضحة على مسرح الحياة، وسيقي هذا البلد يذكر ابنه البار، ابن فلسطين، ويثمن غاليا ماقدمته لوطنه وأمته.

وكان لحكمة دوره البارز في خدمة وحماية القضية الفلسطينية والهوية الوطنية ومساهمته الجليلة في العمل لبناء وترسيخ الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، حيث كان شاهداً وحاضراً في كل مرحلة صعبة ومفترق دقيق، وعايش – رحمه الله – كافة مراحل الثورة الفلسطينية والتاريخ الوطني. (من كلمة د. صائب عريقات / وزير الحكم الحلي في السلطة الوطنية الفلسطينية)

عرفت الفقيد، معالي الأستاذ حكمة المصري، عن قرب، وكانت تربطني به صداقة مخلصة، عرفت فيه الوطنية، عرفت فيه القومية، عرفت فيه حبه لخدمة الوطن والمواطنين. لقد مارس الفقيد الحياة النيابية والسياسية والاقتصادية والتعليمية بكل أبعادها وثقل مسؤولياتها. (من كلمة محمد بسيوني / السفير المصري في تل أبيب)

لقد كان أبو سمير رحمه الله معلما بارزا من معالم نابلس وفلسطين فقد كان من الشخصيات المرموقة المحبوبة لدى المراجع والمحافل العربية والدولية، والتي انعكست آثارها وملامحها على احترام بلده وشعبه من قبل هذه المحافل والدوائر. وحسبي أن أقول: أن (ابا سمير) كان يشار اليه بأنه أحد الأعمدة الكبيرة للعمل الفاعل والرأي السديد المستنير والشخصية المتبلورة الناضجة لهذا البلد ولهذا الشعب. وفي الأيام العاتية الكوالح، وفي الظروف الرهيبة المخوفة التي تشتد فيها النوائب والأهوال، تستبين على أرض الواقع عزائم الأشاوش من الرجال، وتتجلى فيها همم الصناديد من البواسل والأبطال. لا جرم أن صاحب ذكرى اليوم، كان في البسالة والشهامة فذا، وفي كريم الصحبة وذكر الخلال لدى الشدائد فردا. سلام على المرحوم الفقيد، بعد أن بارحنا في دنيانا هذه، راحلا إلى جوار الله، حيث البقاء الواهب والقرار المستديم الدائب. (من كلمة الشيخ عزام العكر / عن المؤسسات والفعاليات الوطنية والاسلامية)

نلتقي اليوم في هذه الرحاب لنستذكر أحد الرجال... رجال فلسطين الذين عاشوا منذ ولادتهم لقضية بلادهم وقضوا من أجلها، مثلما وقفنا بالأمس القريب نحيي ذكرى الأربعين لرحيل رجل آخر من رجالات فلسطين، المرحوم الحاج معزوز المصري. وإذا كان حفل التأبين لاستذكار مناقب وصفات لأناس قدموا وضحوا لأوطانهم، فحلفنا هذا يجيء متميزا بتميز صاحبه.. المرحوم " حكمة المصري "... نكرمه اليوم.. حبا كما أحبنا.. وواجبنا وطنيا مثلما هو أدى وأعطى لنا وللوطن. فقد عاش شبابه مناضلا، وقضى مناضلاً، لم يدع مناسبة ولا محفلا الا وكان اصراره فيه أن يرفع اسم الوطن.. فلسطين.. عاليا.. اصرار الثائر على النصر ونيل الحرية والاستقلال. " أبو سمير ".. ذلك الوطني الملتزم الذي توفي كما ولد. وأمامه هدف واحد.. الوطن وقبل أي شيء، في ظل ظروف كانت تحاك فيها خيوط النيل من هذا الوطن، وعاش جوانب المأساة، فجاء عطاؤه مزيجا من التضحية وعمق الانتماء والثورة على أعداء الوطن. ولعل ما يميز حياة فقيدنا، ويترك الأثر الجلي بعد رحيله، هذا الصرح العلمي الذي نحن في رحابه الآن.. هذه الجامعة.. التي آلى المرحوم على نفسه إلا أن تكون الأفضل، وناضل لكي تكون القلب والمنار الذي يشرق بالعلم والمعرفة، وتخّرج الكوادر التي أثرت وأثّرت في مناحي النضال المتعدة لشعبنا. أصحاب المعالي والسادة.. أيها الأخوة.. أيتها الأخوات.. الحفل الكريم: لقد كان الوطن للفقيد.. الذكر والذاكرة، ورغم تنقلاته وسفراته المتعددة، وزيارته لكثير من بلدان العالم، فقد كان للوطن عنده.. الحنين الذي لا يخبو.. والشوق الذي يحمله على البكاء. كان رحمه الله أبا يحنو على أبنائه.. ومثلما كان حبه لأهله في داخل الوطن كبيرا.. كان حبه للأهل البعيدين أكبر، وكان اصراره على زيارة مؤسسات منظمة التحريرية الفلسطينية والتصاقه بالقائمين عليها كبيرا، وإذا كان لذلك دلالات.. فانها تعني ولاءه وتأييده للوطن وأبناء الوطن، والقناعة الراسخة بأنه لن يكون للوطن الا أهله، ولن يمثل هذه الشعب وهذه الأرض الا مناضلوها وقادتها. (من كلمة الطيب عبد الرحيم / أمين عام مجلس السلطة الفلسطينية).

وأريد أن أطمئن روح أبي سمير.. أن اللقاءات الأخيرة في عمان، برعاية جلالة الملك حسين والرئيس ياسر عرفات.. قد أكدت أصالة هذا الشعب، وارتباطه الوثيق على ضفتي نهر الأردن، الذي يجمع ولا يفرق، فليس هناك نهر بضفة واحدة، وليس هناك عمود فقري بجانب واحد. لا أقول ذلك مجاملة لأحد.. ولكن لأننا أحوج مانكون لهذه الوحدة، ولهذه العلاقة المميزة، ولهذا الارتباط الاستراتيجي، بعد أن أصبح هناك اتفاق فلسطيني يتصل برأس المثلث.. فإذا ما اجتمعنا على قلب رجل واحد، وإذا ما ربطنا اقتصادنا بقوة، وبحكمة.. فلن نستطيع الصمود أمام طغيان الرأس القوي.. أمريكا. وإذا لم يطلب من البلدان العربية أن تؤجل التطبيع والعلاقات إلى أن يوفي الجانب الإسرائيلي بالتزاماته التي يفرضها القرار الأممي (242) والقرار الأممي (425) وقرار عودة اللاجئين، والقرارات المتعلقة بالقدس.. فان ذلك يعني أن تنقلب هذه الاتفاقات التي غقدت مع الإسرائيليين مؤخرا، دمار علينا ودفعنا مبكرا للثمن دون تسلم الأرض والحق. وها نحن نرى بوادر غير مشجعة، فوقف الاستيطان الذي قبضت إسرائيل ثمنه عشرة مليارات دولار.. يخرق كل يوم.. والاتفاقات مع السلطة الوطنية تخرق كل يوم. انهم يتصرفون كمن أعطى ربع الأرض بعد أن استولى على الأرباع الثلاثة الأخرى.. لكنه ندم على ذلك، كانت إسرائيل تراهن على الرفض، لقد وضعت من الشروط غير المقبولة الكثير.. وأحاطت اتفاق أسلو بكثير من الغموض، فكل قاعدة لها استثناء يحتاج إلى ملحق.. ولا تزال تدير مع فريقنا المفاوض معركة التفاصيل، وتفاصيل التفاصيل، من أجل أن يتوه المفاوض الفلسطيني، ويكل، ويعجز. وفوجئت إسرائيل بالقبول الفلسطيني، لأن قراءة القيادة الفلسطينية للوضع الدولي، ونتائج حرب الخليج وتفرد أمريكا بقيادة العالم، جعل هذه القيادة تدرك أن هذا الخيار المفروض إذا ماتم التعامل معه بالعدمية والرفض فإن الثمن والعاقبه شطب الشعب الفلسطيني من المعادلة، وفرض معاهدات الصلح على الدول العربية وفق ماكانت تصر عليه إسرائيل من أن مشكلها هي مشكلة حدود، وليس مشكلة وجود لشعب أخرج من دياره بغير حق. (من كلمة سليم الزعنون رئيس المجلس الوطني الفلسطيني بالانابة).

كلمة آل الفقيد صلاح حكمة المصري، نائب رئيس مجلس أمناء جامعة النجاح الحالي ( رئيسه من بعد):

بسم الله الرحمن الرحيم معالي ممثل سيادة الرئيس ياسر عرفات رئيس دولة فلسطين أصحاب المعالي الوزراء في المملكة الأردنية الهاشمية أصحاب المعالي الوزراء في السلطة الوطنية الفلسطينية السيد نائب رئيس المجلس الوطني الفلسطيني أصحاب السعادة أعضاء مجلس النواب الأردني سعادة سفير جمهورية مصر العربية حضرات ممثلي الهيئات الدبلوماسية العربية والأجنبية والمؤسسات والفعاليات الوطنية والدينية في فلسطين.

أيها الأحبة الكرام، تعجز كل الكلمات أن تعبر في هذه اللحظات المهيبة عن كل هذا الحب.. وكل هذا التقدير والاحترام.. وكل هذا الوفاء لفقيدنا الغالي علينا وعليكم. هذا الرجل الذي رحل عنا تاركا وراءه وأمامه انجازات ضخمة، ومواقف مشرفة تحدثتم عنها، تلك الانجازات والمواقف لم تطل مدينته فحسب، وانما امتدت لتشمل الوطن الكبير الذي طالما حلم فقيدنا الغالي وعمل من أجل كسر كل القيود من حوله، وتحطيم كل الحواجز الاقليمية لتحقيق الفكرة الوحدوية والقومية. أيها الحفل الكريم، لقد شارك عميد العائلة خلال رحلة العمر النضالية الطويلة في بناء المؤسسات الديمقراطية في الأردن.. آمن بوحدة الشعب في الضفتين.. لم يساوم على الحقوق الفلسطينية.. أعلى ورفاقه الصوت الفلسطيني عاليا من على منابر مجلسي النواب والأعيان في المملكة الأردنية الهاشمية. وقد مضى في نضاله الوطني مؤسسا وداعما لمنظمة التحرير الفلسطينية، يساندها منذ نشأتها، وفي كل مراحل نضالها اتحرير الوطن. حضرات الأخوة – زملاء الفقيد الغالي – أعضاء مجلس أمناء جامعة النجاح الوطنية – رئيس وأسرة الجامعة المحترمين. ان الوفاء الذي أبديتموه نحو فقيد الوطن، وفقيد الأهل، وفقيد الجامعة هو وفاء الأهل.. ووفاء الشعب للرجل الذي أفنى حياته وهو يرسخ دعائم الحب والفكر والنور في أرض فلسطين. اننا نتوجه اليكم جميعا بعميق شكرناوامتنانا لتفضلكم بمنح شهادة الدكتوراه الفخرية في الاقتصاد للفقيد الراحل تقديراً لجهوده المتميزة في اقامة هذا الصرح العلمي الشامخ، وانجازاته في كافة الحقول التي برز فيها على أرض هذا الوطن. ويشرفني أن أقف أمامكم في نهاية هذا الحفل التأبيني الجليل لآل المصري وأقربائهم وأنسبائهم كي أتقدم، باسمهم جميعا، بخالص الشكر والأمتنان لسيادة الرئيس ياسر عرفات رئيس دولة فلسطين على تفضله بايفاد مندوب عنه للمشاركة في هذا الحفل. كما نتقدم بعظيم الشكر والامتنان والعرفان لمقام صاحب الجلالة الملك حسين بن طلال المعظم في وقفته الغالية معنا في مصابنا. نتقدم أيضاً بخالص الشكر لأعضاء السلطة الوطنية الفلسطينية، والى معالي السادة الوزراء والنواب الذين قدموا من الأردن العزيز، والى أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني، والى سعادة سفير جمهورية مصر العربية الشقيقة، وكافة السفراء والقناصل والمؤسسات العربية والأجنبية والمحلية. والى أصدقاء الفقيد ومحبيه في كل مكان، والى أعضاء لجنة التأبين وكافة هيئاتنا ومؤسساتنا الوطنية والدينية، والى الهيئات الاعلامية المحلية والعربية والعالمية. أما هذه المدينة الباسلة.. مدينة نابلس.. فلها منا كل ما كان يكنه الفقيد لها من حب ووفاء. وستبقى في قلوبنا وعقولنا والى الأبد.. العهد والوعد أرضا وأهلا.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته














الملاحق ملحق 1 –

رد مجلس النواب الأردني على خطاب العرش

حضرات أصحاب الدولة والمعالي أعضاء مجلس الوصاية الموقر:

يسر نواب الأمة في مطلع هذه الدورة العادية أن يتقدموا إلى مجلس الوصاية الموقر بالتحية والاجلال، وشاكرين للأوصياء المحترمين شعورهم ونبيل عواطفهم نحونا. مقدرين اخلاصهم للبلاد وحكمتهم في تصريف أمور الدولة. وانه لمن دواعي الأسى أن نشير إلى الكارثة التي أصابت البلاد بمرض جلالة مليكها السابق، بعد أن لمست ما يكنه جلالته من حب لها واخلاص لأبنائها، ورغبة في العمل على تقديمها ورقيها. واننا لندعوه تعالى أن يسبغ عليه العافية والصحة، وأن يحفظه من كل سوء. ويشرف المجلس أن يعلن بجلاء أن سلامة العرش لم تقم، ولا يمكن أن تقوم على جهود فرد أو فئة من الناس، وانما قد قامت على تعلق الشعب بالعرش والتفاف القلوب حوله وفاء الأمة للعائلة المالكة الكريمة، وتقديرا لخدمات المغفور له جلالة الملك عبد الله بن الحسين في بناء هذه المملكة، واعترافا بفضله عليها. وان المجلس الذي يرى في العرش رمزاً للأماني الوطنية والآمال القومية ليتقدم بالولاء الخالص والأكيد لمقام حضرة صاحب الجلالة الملك حسين بن طلال المعظم، ضارعا إلى العلي القدير ان يوفق جلالته في حكمة القادم في تحقيق مايصبو اليه من تقدم ومجد هذه البلاد. ان مجلسنا الذي من أعز أمانيه أن يتسلم سلطاته الدستورية، في جو من الطمأنينة، والاستقرار يؤكد أن الطمأنينة والاستقرار المنشودين مرهونان بمقدار ماتتمتع به الحكومة من ثقة الشعب، وسعيها لتحقيق أمانيه، واحترام حرياته وحقوقه. وأن تتمتع الحكومة بهذه الثقة يتوقف على تفهم المسؤولين لرغبات الأمة، وجعلهم الخدمة العامة الهدف الأول من الحكم من جهة، وعلى إيمان نواب الأمة بأن الحكومة أهل لتحقيق تلك الرغبات ومجاراة روح العصر من جهة أخرى. وان المجلس ليشير إلى مبدأ رئيسي، وهو أن توحيد القوانين يجب أن يتم على ضوء المصلحة العامة، وعلى اعتبار أن الناحية التشريعية ليست وسيلة لحفظ الأمن فحسب، بل هي وسيلة للاصلاح والانشاء والتمكين للوحدة والاخاء بين الضفتين.

حضرات الأوصياء الأجلاء:

ان المجلس ليرى أن المصلحة القومية تحتم على العرب في سائر ديارهم أن يأخذوا من الخطوات الفعالة ما يؤدي إلى انشاء اتحدات بين الدول العربية، والخروج من حيز التفكير والعاطفة إلى مجال الارادة والعمل في تهيئة الوسائل التي تمهد إلى قيام هذه الاتحادات.

وعلى هذا فان المجلس يشعر بوجوب وضع العلاقات بين هذه المملكة وشقيقاتها الدول العربية على أساس من التعاون المخلص الصادق في كافة النواحي الاقتصادية والثقافية والسياسية والعسكرية، بحيث يستهدف هذا الأساس توجيه القوى لتحقيق الأماني القومية المشتركة من تقدم في سائر ميادين الحياة، واستعادة الوطن المسلوب وقيام الوحدة المنشودة.

حضرات الأوصياء الأجلاء: ان المجلس، وهو يعبر عن ارادة الشعب، ليعلن بأن علاقات هذه المملكة مع الدول الأجنبية يجب أن تقوم على أساس مصلحة الأردن والمصلحة العربية المشتركة، ويرى أن الواجب الوطني يجب أن تقوم على أساس مصلحة الأردن والمصلحة العربية المشتركة، ويرى أن الواجب الوطني يفرض اتخاذ الخطوات الفعالة في ذلك. وان المجلس لا يقر الحكومة بأن القضية الفلسطينية هي (شغل العرب الشاغل..) من ناحية علمية، ويعلن مع الألم، أن الدول العربية قد أهملت معالجة هذه القضية معالجة جدية، فلم تتقدم أي تقدم إيجابي ملموس في سبيل حلها وتخفيف الويلات التي نتجت عنها. ولذلك فان المجلس يرى أن يأخذ المسؤولون زمام المبادرة مع الدول العربية في سبيل هذه القضية حلا يضمن كامل الحقوق العربية في فلسطين. ويرى المجلس أن أمر (اعادة اللاجئين إلى أوطانهم) أمانة في أعناق العرب جميعا، والمملكة الأردنية بصفة خاصة، ومن الواجب أن تكون العامل الأولى في توجيه سياسة الدولة الداخلية والخارجية. ولذلك يأسف المجلس لعدم الاشارة إلى هذه الناحية الهامة في خطاب العرش، ويرى أن تبسط الحكومة حمايتها على اللاجئين، وتحول دون اضطهادهم، وقطع أرزاقهم، وتعمل جادة على تخفيف ويلاتهم، وتحقيق حياة كريمة لهم على أن لا يتعارض ذلك مع حقوقهم الطبيعية والشرعية في فلسطين، والعودة إلى أوطانهم فيها.

حضرات الأوصياء الأجلاء: ان المجلس ليسجل دهشته لعدم بسط الحكومة منهاجها الوزاري في خطاب العرش وفقا للتقاليد الدستورية، مما يعتبر سابقة خطيرة لا يجوز تكرارها، كما ان المجلس لا يستبق الحوادث في تقرير موقفه من التعديل الوزاري الذي أشير اليه في خطاب العرش، ولا في بيان رأيه في الظروف والملابسات التي أحاطت به. وهو يترك ذلك لحين عرض البيان الوزاري المنتظر ومناقشته. وختاماً، يتوجه المجلس إلى العلي القدير أن يحفظ جلالة الملك الشاب حسين بن طلال المعظم، ويحيطه بسياج عنايته، ويكلأه بعين رعايته، ويوفقه لما فيه مجد الوطن وخير البلاد.

16 صفر سنة 1372 هجرية الموافق 4 تشرين الثاني سنة 1952ميلادية

رئيس مجلس النواب حكمة المصري


ملحق رقم – 2- صورة شجرة العائلة ملحق رقم – 3-

مقتطفات من قصيدة يوم النجاح

من ديوان وديع البستاني في الفلسطينيات، 1946 ص 278 – 285، ألقاها في 23/5/1943م بمناسبة مرور 25 سنة على تأسيس النجاح.

في مهرجانك يا " يوم النجاح " غد والأمس: يومك للأيام مؤتمر كليلة القدر يُمن طلعته يوم النجاح لمن باتوا وقد قدروا لبّيت دعوة داعِيه وفي خلدي من الحوادث ذكراهنّ والعبر

حبس الأجاويد

يا يوم صلى الضحى في سجن نابلس بين المساجين من أعيانها نفر يايوم حبس الأجاويد الأكابر ما ثناك يوم وعندي بعدك الخبر يايوم الأجاويد جادوا للكرامة عن جود هو الجود والإحسان وافتقروا لم يعرف الحبس حرا قبل حبسهم من ماله قيده من جنده الخفر كنت الضحى لنهار في سحابته طال اصطباري إلى أن لج مصطبر ياحابس الخلص الأحرار كيف ترى والذنب ذنبك والأحرار قد غفروا

ليلة السطح

وليلة في سمعي وفي نظري والعسكريون لا سمع ولا نظر حمراء لا شفقا دهماء لا غسقا ليلاء حيرها في فجرها السحر بات الرئيس كما شاؤوا على خطر سيان عند الرئيس الأمن والخطر منها ومن جبليها النار عاصمة الأحرار رأد الدجى تصلى وتستعر يا ليلة الحر حسب الحر ما اعتذرت لمقلتيه الليالي البيض والغرر

نادي الثقافة يا حي ّ للقوم ناد للتقافة في سمعي وفي نظري لحي يعتز

عروس النجاح مرحى ومرحى للنجاح (طوت) جيلا فاكليلها بالغار مزدهر جلوا العروس وحيوها بتكرمة بكر النجاح وفيها الشعر مبتكر جلوا العروس وحيوها بتهنئة مانوّر الزهر حتى أينع الزهر جلوا العروس وحنّوا كفها بدمي ورجلها وهي تسعى والعلى وطر

تحية الخريجين مرحى شباب النجاح الحاملين لنا آمالنا وهى كبرى برك الكبر الى الطموح وما دون الطموح منى مازّين الفوز الا أنه عسر الى الجهاد ومايرضى الجهاد له الا الفتى غاب عنه الجبن والحذر

تحية الصغار

ياقرة العين ياطيب النفوس ويا أنس النفور وغزلان النقا نفروا أحفاد يعرب لا قيس ولا يمن وذا ربيعة لو يدري وذا مضر حي الصغار وقد غنوا وقد لعبوا حوادث الدهر في أيديهم الأكر ان الأناشيد والالعاب حقهم حق يقول به التهذيب لا الصغر ياحسنهم سمعا قصت لهم قصص وفي اللواحظ من افهامهم شرر عن ثعلب المكر عن كلب الأمانة عن فيل الجلالة في خرطومه ابر عن حكمة النمل عن بأس البزاة وعن وهم الزرازير لما عجب الزمر عن اكرم الخيل والفرسان عن فرس في ظهره أسد في قلبه نمر با حسن اصغرهم يحكي حكايته عن السلحفاة تستغلي وتفتخر مثل اليهودي قوى ظهرها الوطن القومي بيت ولا شعر ولا حجر

ان تأمن الدوس مدت رأسها ومضت تسعى وتسعى ولا لهو ولا ضجر ما سابقت أرنبا الا لتسبقه لكنها في عيون الناس تحتقر

تحية الكبار

حي الكبار وفي قاماتهم عدل وللرياضة في قاماتهم أثر قب الصدور نحارير العلوم وفي أعطافهم مرح الشبان والاشر بانت سعد ولم تبل قلوبهم ولا أرادوا الفدى من بعد ما اسروا حب النجاح الهوى الميمون حبهم وفي النجاح الحديث الحلو والسمر شعر الجميل جميل بثنيته وشعر قيس وليلى الكنز يدخر سحر البيان وفن فنة عجب ويسحرونك ان يرووا وما سحروا راقتهم صور في الشعر ناطقة ولم ترقهم فوق الشاشة الصور

الفاروق والبطريق

يروون عن عمر شعر الهوى غزلا اما الشعار فبعد المصطفى عُمر من بيت مكة للأقصى تجشمها وهو الخليفة والبطريق منتظر حتى ترجل فالبطريق مرتجل الجند جندك وهو الله منتصر للمهد للقبر للاقصى العمار وان تسأل فهيكلهم عاف ومندثر

الشعار

أرض مباركة خمسا أقبلها يوما فيوما ثراها طيب عطر جاد الربوع دم والدمع فوق دم والنقع نار ونار فوقها مطر دمع العذارى على قبر الشهيد ومن عيونهن لعين الجنة الحور هذا شعار فتى يهوى النجاح وفي حب النجاح تولى جفنه السهر.

تحية المعهد

يامعلم العلم يا نارا على علم نورت جيلك حيا لجيلك العصَر بالربع هُنئت والعقبى بكامله وقرن غيرك دون الربع منكسر قدري لقدرك في الابداع مبتدأ بالمهرجان وتحقيق المنى خبر

زرقاء اليمامة

وقد وقفت وزرقاء اليمامة بالأردن أسألها عن حال من عبروا هذي عقيرتهم مرفوعة سفها حين الممالك عين بعدها أثر ثلت عروش ملوك اليوم وامحت دول فما نحاذر ان يستدول النور قالت حذام وقد آلت وقد حلفت أقسمت بالله لا قوم ولا شجر وصدقوها وبشرى المؤمنين ولا خوف عليهم وويل للأولى كفروا

الغد للعرب

آمنت بالله كوني يامشيئته ومهرجان النجاح اليمن والقدر يامهرجان النجاح اليوم قبل غد بشربنا غدنا والامس يحتضر يمضي مع الدهر مشكورا ومتهما بين الأولى اتهموه والألى شكروا

الكتاب الأبيض

أصفو لصفوك ياهذا الزمان وان تكدر كدرت وعم الأمة الكدر لنا شباك وما نأتي الغدير بها وماؤه بدم الأقوام معتكر وفي الكتاب السطور الحمر من دمنا إن يمح سطر فان ا لعرق منفجر بشّر بنا غدنا يايوم نابلس ومهرجانك للأيام مؤتمر

" كلية النجاح " بمدينة نابلس، معقل العروبة، في فلسطين أول معهد علمي وطني أنشأته يد عربية. ولتمام ربع قرن من حياته النشيطة أقيم مهرجان لعيده الفضي، وكانت هذه القصيدة الكلمة الأخيرة في الحفلة، فلما دُعي صاحبها لإلقائها دعي بالعبارة المألوفة: مسك الختام، وكانت الحفلة في سرادق ضم عددا كبيرا من أعيان البلاد، ولأن الزمن زمن حرب، والمقام مقام تكريم العلم والمعارف، خلت الخطب والكلمات من الوطنيات الروحية، فجاءت بعض المقاطع في هذه المطولة معبرة عن كوامن النفوس ولواعجها.

كارثة نابلس

لإبراهيم طوقان يصف بها أحداث ليلة الزلزال (ديوانه 152-155)

دموع النساء والاطفال تجرح القلب أم دموع الرجالِ بلد كان آمنا مطمئنا فرماه القضاء بالزلزالِ هزة إثر هزة تركته طللاً دارساً من الاطلالِ مادت الارض ثم شبت وألقت ماعلى ظهرها من الاثقالِ فتهاوت ذات اليمين ديار لفظت أهلها وذات الشمالِ بعجاجٍ تثيره ترك الدنيا ظلاماً وشمسها في زوالِ

فإذا الدور وهي إما قبور تحتها أهلها وإما خوالِ وأرقُّ النسيم لو مر بالقائم منها لدكه فهو بال

لا تقف سائلاً بنابلس الثكلى فما عندها مجيب سؤال ِ أرأيت الطيور تنفر ذعراً من خفاف عن سرحها وثقالِ هكذا نفرت عن الدور أهل عمروها إلى كهوف الجبالِ أرسوم وكن قبل صروحاً كل صرح عاتٍ على الدهر عالِ وليالي الاعراس يالهف قلبي عطلتها تقلبات الليالي أضحك الدهر يا ابن ودي وأبكي يوم لم يخطر الأسى في بالِ

ربّ وادٍ كأنه النهر الأخضر يختال في برودِ الجمالِ خطرات النسيم ذات اعتلالٍ فيه والدوح مائس باختيالِ غشيتهُ الطيور مختلفات رائعات الالوان والاشكالِ صادحات على أرائك في الأيك يصلن الغدوّ بالآصالِ نغمات أرسلتها ذات تسجيع وكرٍ في اللحن واسترسالِ ياطيور الوادي عليل فؤادي كان يشفيه برد تلك الظلالِ ياطيورالوادي رزايا بلادي مزجت لي الغناء بالإعوالِ كان واديك للسرور مآلا فغدا بالثبور شر مآلِ كان (عيبال) من صدى الأنس يهتز فماذا سمعت في عيبالِ كان (جرزيم) منزهاً والغواني زفرات الارمال والاثكالِ

يايد الموت ما عهدت ألوفاً منك هوجاً تمتد للاغتيالِ طغت الحرب خمسة مادهتنا كثوان مرت بغير قتالِ ووجوه المنون شتى فبانت كلها عند هذه الأهوالِ من وحيد لأمه وأبيه جمعوه مفرق الأوصالِ ومكبٍ على بنيه بوجهٍ خلط الدمع بالثرى والمنهالِ وفتاةٍ لإذت بحقوي أبيها جزعاً وهو ضارع بابتهالِ وحريصٍ رأى ابنه يسلم الروح قريباً منه بعيد المنالِ ومريضٍ وعودٍ صرخ الموت وكانوا يدعون بالابلال ِ خسف البيت بالمريض ومن عاد وبالمحصنات والاطفالِ قد رأينا في لحظةٍ وسمعنا كيف تلهو المنون بالآجالِ ههنا نسوه بلا مأوى سترن الجسوم بالأسملِ ههنا اسرة تهاجر والغم بديل الأثاث فوق الرحالِ ههنا مبتلىً بفقد ذويه ههنا معدم كثير العيالِ ملأ الحزن كل قلبٍ وأودت ريح يأس بنضرة الآمالِ

دخلاء البلاد ان فلسطين لَأَرض كنوزها من نكالِ تبرها صفرة الردى فخذوه عن بنيها واذنوا بارتحالِ رب لطفاً ! فقد أتانا نذير بوباء من بعد هذا الوبالِ وجراد وكل آت قريب أو بعد الامحال من إمحالِ رب ان الكروب تترى علينا حسبنا كرب هجرة واحتلالِ




المصادر: 1. الحوت – بيان نويهض. القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين، 1917- 1948، ط3 بيروت 1986 2. موسى، سليمان وزميله. تاريخ الأردن في القرن العشرين – الطبعة الأولى، عمان، 1959. 3. كتاب التأبين. مطبعة الحجاوي – نابلس 1995. 4. حكمة المصري – الرجل الذي فقدناه، بقلم ريموندا الطويل. 5. مجلة العودة – تصدر عن المكتب الفلسطيني للصحافة، الأعداد 152-155 6. (عادل زعيتر) كتاب التأبين – نابلس، 1957. 7. جريدة الدفاع – أعداد مختلفة (1935 – 1937). 8. جريدة الجامعة الاسلامية (أعداد سنة 1936). 9. جريدة الرأي. 10. جريدة الدستور. 11. جريدة النهار. 12. جريدة نابلس. 13. البستاني – وديع. ديوان الفلسطينيات – بيروت 1946. 14. طوقان – ابراهيم. ديوانه – منشورات دار الأسوار – عكا. 15. وثائق مجلسي النواب والأعيان الأردنيين. 16. وثائق مجلسي أمناء جامعة النجاح الوطنية.